
عبد الناصر والوحدة العربية
د . نديم البيطار
ليس هناك من مسألة تعبر بوضوح عن طبيعة الفكر الوحدوي العربي (وبالتالي الثوري) الشعائرية والأخلاقية أكثر من موقف هذا الفكر من القيادة الناصرية في الخمسينات والستينات. فالذين كانوا يقاومون هذه القيادة، والذين كانوا يدعون إلى الارتباط بها، وأن كان موقفهم صحيحاً من حيث المبدأ، وإيجابياًًًً من حيث النتائج المباشرة – كانوا ينطلقون من موقف مماثل لا يتميز، من ناحية وحدوية، ليس فقط بأي أساس علمي صحيح بل بأي وعي لضرورة هذا الأساس، أو حتى لوجوده.
هذا الفكر كان، ولا يزال، بعيداً غريباً عن الفرضية العلمية البسيطة البديهية وهي أنه، عند معالجة ظاهرة ما، يجب عليه دراسة هذه الظاهرة قبل إن يعطي أحكاماً معينة حولها. الفكر الوحدوي فكر يفترض به طبعاً الانشغال بالظاهرة الوحدوية وتحديد طبيعتها، أي كيفية الانتقال من حالة تجزئة إلى حالة وحدة. وبما إن هذه الظاهرة ليست جديدة، وبما إن المجتمع العربي ليس المجتمع الأول الذي أراد تجاوز تجزئة معينة في دولة واحدة، وبما إن التاريخ مليء بهذا النوع من الظواهر الوحدوية، كان يفترض بالفكر الوحدوي العربي إن يدرس هذه الظاهرة قبل إعطاء أحكامه حولها. ولكنه بدلاً من ذلك راح يحدد تبشيرياً وشعائرياً الطريق إلى الوحدة فيعطي ويرتجل الحلول دون أي وعي لضرورة الرجوع إلى والانطلاق من الظاهرة الوحدوية، ودراستها قبل القيام بأي تحديد لطريق الانتقال من التجزئة إلى الوحدة. ليس هناك حتى الآن –ماعدا القليل الذي نشرته- من أثر لهذا النمط من التفكير، بل لهذا البَده العلمي، فيما صدر حتى الآن عن الفكر الوحدوي العربي .
غريب، عجيب أمر هذا الفكر الوحدوي الذي يقدم ذاته باستمرار كفكر علمي، ويجتر دائماً وأبداً فكرة "علمية"، "منهج علمي". ولكن دون أي وعي لهذا البَده العلمي البسيط وهو ضرورة دراسة الظاهرة التي تشكل موضوعه قبل إعطاء الأحكام حولها!… أنه فكر بلغ، دون شك، مرتبة في أعلى مراتب الفكر التبشيري. هذه هي المشكلة أو بالأحرى مأساة الفكر الوحدوي العربي (وبالتالي الفكر الثوري ككل). فهو فكر كان حتى الآن عاجزاً عن ؟إدراك، أو استيعاب ومعاناة المنطلق الأساسي للمنهج العلمي الحديث وهو إن الظواهر الاجتماعية والتاريخية تتميز بموضوعية مستقلة عن إرادة ووعي مشاعر الأفراد وأن هناك قوانين أو اتجاهات انتظامية ( uni formities,patterrs ) تسودها.
موقف الذين دعوا إلى الارتباط بقيادة عبد الناصر والذين قاوموا هذه القيادة لم يكن، بكلمة أخرى، ناتجاً عن أية نظرية علمية حول طبيعة القيادة السياسية في تجارب التاريخ الوحدوية والثورية. المشادة بين الطرفين كانت تدور، بشكل، ميتاقيزيقي وأخلاقي حول " ما يجب إن يكون" و" ما هو الأصلح" دون ربط ذلك بما " يمكن إن يكون" . أو بنوع القيادة التي يمكن للأوضاع الثورية والعمليات (processes) الوحدوية إن تفرزها، إن تسمح بها أو تنفتح لها، أي دون أية نظرية حول القيادة التي ترافق تجارب التاريخ الوحدوية والثورية. لو درس هؤلاء هذه التجارب وجدوا بوضوح أنها تفرض "قيادة مشخصنة" تتميز بالسمات العامة التالية وهي:
1-وجود قائد يجسد الحركة الوحدوية والثورية ويرمز إليها.
2-ولاء قوي لشخص القائد.
3-اقتران الولاء للقائد بالولاء للحركة الوحدوية، الثورية، والانطلاق من الأول في التعبير عن الثاني.
4- إعطاء القائد صفات فريدة، غير عادية، ترتبط درجة التضخيم لها بحدة التناقضات التي تنطوي عليها الأوضاع التي تحيط بها.
5- درجة بارزة من تركيز السلطة في يد القائد ترتبط درجة اتساعها ووحدتها بنوع المخاطر والأزمات التي تحيط بها، جذرية التحولات التي تدعو إليها، وحدة التناقضات المدعوة إلى معالجتها.
إننا نفهم من عبارة " القيادة المشخصنة" أنها قيادة تتميز بهذه الصفات وهي ظاهرة تعيد ذاتها في جميع تجارب التاريخ الوحدوية والثورية. تكررها بهذا الشكل يعني أنها لا ترتبط بإرادة القائد أو الأتباع الواعية، أو بشكل مباشر بهذه الإرادة، بل بطبيعة الأوضاع التي تحيط بها، وأن ديالكتيك هذه الأوضاع هو الذي يفرضها. هذا يعني بكلمة أخرى إن ظاهرة القيادة المشخصنة تشكل قانوناً عاماً يسود التجارب الوحدوية والثورية، وأن العمل الوحدوي يجب إن يعمل معه وفي ضوئه إن هو أراد إن يمارس أية فاعلية صحيحة، وأن الوعي له والعمل في ضوئه هما الطريقة الوحيدة في الحد من النواحي السلبية التي قد ينطوي عليها. إن الحرية هي "وعي للضرورة".
وجود القيادة المشخصنة في الشكل الذي أشرنا إليه، والذي تقترن فيه بتجارب التاريخ الوحدوية والثورية يعني القيادة الناصرية كانت تعبر عن قانون عام كان يجب العمل معه إن نحن أردنا الوصول إلى دولة الوحدة أو دفع العمل الوحدوي بشكل فعال في وجهة هذه الدولة، وأنها كانت تعبر بشكل خاص عن هذا القانون لأنها استقطبت بشكل فريد في التاريخ ولاء الشعب العربي العارم عبر الحدود الإقليمية، لهذا فإن هذا البحث لن يعرض ما قدمه عبد الناصر من خدمات لقضية الوحدة، بل يقتصر على شيء أبعد وأهم وهو الإشارة إلى وجود قيادته في ذاتها كأكبر قوة دفع وحدوي آنذاك، وإن العمل الوحدوي الذي لم يدرك هذا كان من ناحية موضوعية، رغم نواياه الوحدوية، عدواً لدولة الوحدة، وبالتالي حليفاً غير واع لقوى التخلف العربي، للإمبريالية ولاحتلال فلسطين. ففي معارضته لقيادة عبد الناصر عارض الطريق التي يمكن لها إن تؤدي إلى الوحدة، الشرط الأول في تحرير فلسطين التغلب على قوى التخلف والإمبريالية.
بما أنه يستحيل في بحث كهذا التدليل تاريخياً على هذا القانون، فأنني أكتفي هنا بالإشارة فقط. في كتاب جديد بعنوان " شخصنة السلطة في تجارب التاريخ الوحدوية" سأقدم الدليل العلمي عليه بعرض تاريخي عام لهذه التجارب يكشف بوضوح إن هذا النوع من القيادة كان يرافق جميع هذه التجارب، الكتاب سيدل أيضاً على اقتران هذه القيادة بجميع التجارب الثورية، وهي تجارب كانت عادة وفي أهم نماذجها-كالثورة الأميركية، الثورة الفرنسية، الثورة الروسية، الثورة الصينية، مثلاًً –تجارب وحدوية أيضاً. أنه سيصنف، من هذه الناحية، جميع التجارب الديمقراطية الثورية في تاريخ الغرب منذ ألف عام في النماذج التالية : (1) الديمقراطية الدينية في القرون الوسطى والحركة البروتستانتية.2) الديمقراطية اليعقوبية. 3) الديمقراطية الليبرالية. 4) الديمقراطية الشيوعية. 5) الديمقراطية الاشتراكية.6) الديمقراطية النقابية، ويدل كيف أنها كانت كلها تنتهي في قيادة مشخصنة من هذا النوع، على الرغم من إن المبادئ والمفاهيم التي كانت تنطلق منها كانت تتنكر لها وتؤكد الفردية، والحرية، والاخاء، والمساواة بين الناس، وقدرة الفرد على سيادة مصيره. هذا يعني بوضوح بعض الأسباب الموضوعية التي كانت تفرضها كظاهرة مستقلة عن إرادة الأفراد.
هذا الكتاب سيصدر العام القادم عن"مركز الدراسات العربية"، ويمكن للقارئ الرجوع إليه. ولكن إن كان مجال البحث لا يسمح بعرض ظاهرة شخصنة القيادة في تجارب التاريخ الوحدوية، فإنه يسمح بالإشارة إلى بعض الأسباب التي تفسر ظهورها، ومن ثم بعض الاستنتاجات العامة حول طبيعة الفكر الوحدوي العربي.
هذه الأسباب هي:
1-ضرورة الرموز العينية الحسية للحركات الوحدوية والثورية. النظريات الاجتماعية تفسر الأحداث والظواهر الاجتماعية السياسية بالرجوع إلى اتجاهات وعلاقات موضوعية تربط بينها، وليس بالرجوع إلى قوى إرادية أو شخصية. ولكن بما إن هذه القوى تكون أسهل منالاً وأقرب بكثير إلى إدراك الإنسان لأنها حسية، فإن الرجوع إلى قيادة مشخصنة في تفسير وضبط هذه الأحداث يكون في دوره أسهل واقرب إلى الإنسان.
السبب الذي يفسر ذلك هو إن الناس لا يستطيعون عادة رؤية المعاني والأفكار والمفاهيم في شكلها المجرد، أو بالأحرى الاكتفاء بصورتها المجردة، ولهذا فهم يعطونها الولاء عندما تتجسد في صور حسية.
الارتباط الفكري بعالم المقاصد والغايات والمبادئ التي يتطلع إليها الإنسان يعني جهداً عقلياً مستمراً، وممارسة دائمة للوعي، وهذا عبء فكري ينوء به عادة الإنسان. ولكن الارتباط بهذا العالم عن طريق صور حسية أمر سهل لأنه يقتصر على البصر والسمع ولا يتطلب أي جهد فكري كبير. قد يبلغ الإنسان في المستقبل قدرة جديدة في ممارسة الوعي لا يحتاج فيها إلى هذه الصور الحسية التي تعطيه شكلاً معيناً يحتاجه في ولائه لمفاهيم ومبادئ يؤمن بها، ولكن ما نراه حتى الآن من تجربته الإنسانية التاريخية يدل بوضوح على ضرورة هذه الصورة كي يمكن لهذه المفاهيم والمبادئ إن تتحول إلى قوة اجتماعية تاريخية كبيرة.
القائد الوحدوي والثوري يلخص ويمثل قيم واتجاهات مرحلة معينة، ويجعلها واضحة للشعب بشكل يستحيل عن طريق العرض العقلاني والدليل العلمي.
هذه التجارب أو الوحدوية والثورية التاريخية تدل بوضوح أنه كي يمكن للناس عامة إن يعطوا ولاءهم الحماسي، إن يكشفوا عن طاقاتهم ويكرسوها في خدمة قضية كبيرة، يجب إن يرتبطوا بقائد-رمز، يشخصن المطامح والتطلعات التي ينشدونها ويتجاوزون بها واقعهم. الشعب يتحرك بكل طاقاته وإمكاناته عندما يوفق إلى رمز من هذا النوع. كل ارتباط بوحدة اجتماعية سياسية كبيرة يحتاج إلى رموز حسية، إذ دون هذه الرموز يصبح الارتباط. فكرياً محضاً ومسألة مجردة، وهذا ما لا يستطيعه، ويأباه الناس. " بقدر ما يزيد حجم الوحدة الاجتماعية السياسية التي ندرسها، بقدر ما تزيد أهمية العنصر الذاتي أو الرمزي في عملية …. الدمج".
الدولة لا تستطيع إن توفر، في ذاتها، الاندماج السياسي والاجتماعي أو التجاوب الانساني الذي يحتاجه الفرد، لأنها بعيدة جداً عنه، علاقتها به علاقة غير مباشرة وذات طبيعة مجردة.
في غياب القيادة المنظمِّة والمنظمَّة لا يؤدي الاستياء الشعبي إلى أكثر من انتفاضات، قد تكون رهيبة الانفجار والقوة، ولكنها تكون مؤقتة وعابرة، ينفس فيها الشعب مشاعره المكبوتة دون إن تؤدي إلى تغيير جذري للنظام الاجتماعي. قيادة من هذا النوع تكون ضرورية لإعطاء الشعب المتمرد الوحدة، الاستمرارية والنفس الطويل. ولكنها كي تقوم بهذا الدور، تحتاج هي الأخرى إلى القائد-الرمز الذي يمثل للناس هذه الوحدة الثابتة في صور حسية ملموسة.
القول إن هذه السمة تقتصر على المجتمعات القديمة فقط قول لا يتميز بأي قدر من الموضوعية، لأن نظرة واحدة على العصر الحديث، ابتداء من القرن السابع عشر، تكشف بوضوح إن ولاءات وانتماءات المجتمعات الحديثة تتمحور باستمرار في صور ورموز حسية.
الإنسان كان يتميز، كما يكتب بيرغر، بعينين طيلة احقاب طويلة جداً قبل إن يتميز بالقدرة على الفكر أو الوعي المجرد، وفي العصر الحديث، عصر المطبعة، القراءة والدراسة، لا تزال الصور الحسية أقوى بكثير من الكتب.
الرمز يعني صورة تبسيطية أو دليلاً حسياً لمجموعة معقدة من التصورات الفكرية أو المفاهيم الايديولوجية. لهذا تلعب الرموز والشعارات دوراً أساسياً ليس فقط في الحياة الثورية أو السياسية، بل في جميع مستويات الحياة. العقل الإنساني يعجز، كما يظهر، عن " الهرب من غريزته العميقة في شخصنة مفاهيمه الفكرية"
هذا النزوع إلى شخصنة التصورات الفكرية كان يعبر عن ذاته تاريخياً في استخدام شتى أنواع الرموز التي تجسد الأمة أو القومية. أننا نجد هذا واضحاً في صور كلاسيكية كبريطانيا، جرمانيا، ايطاليا أو رموز أخرى،"كجون بول" البريطاني، "ميشال" الألماني، طماريان" الفرنسية، "العم سام" الأميركي، أو من ناحية أخرى، في "الأسد" البريطاني، " النسر" الالماني، الديك " الفرنسي، "الدب" الروسي، "التنين" الصيني أو الوالشي، "شجرة الليمون" السلافية، "الشبندر" الايرلندي، الخ… هذه الصور الرمزية كانت تضفي على مفهوم الأمة المجرد شكلاً حسياً يستطيع إن يثير، أكثر من المجردات، المشاعر الحماسية.
شخصنة القيادة تعود إلى نقص في الوعي الفكري، وهو نقص يتطلب صورة القائد الشخصية التي يمكن لها إن تحول المجردات السياسية إلى مستوى حقائق بسيطة مفهومة يمكن إدراكها.
الإيمان بقوى شخصية أو إلهية هو أقرب إلى الحياة اليومية من التجريدات الميتافيزيقية والتصورات الذهنية. إننا لا نحتاج إلى جهد فكري كبير كي ننقل إلى كائنات أخرى الإرادة والأفكار التي نلاحظها عادة في الإنسان، فمن السهل جداً عليه إن يرى "أثينا" من إن يرى عالم الأفكار الأفلاطونية، إن يرى "مينيرفا" من إن يرى العقل المجرد، إن يرى المسيح من إن يرى المفاهيم الكنتية، إن يرى ستالين أو ماوتسي تونغ من إن يرى
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ