رموز مضيئة : محمد عودة .. ضمير وطن
كتبهايمنى و دارين ، في 18 يناير 2007 الساعة: 08:58 ص
ثمة فئة نادرة من الكتاب والمفكرين يمثلون الذاكرة الحية لأوطانهم ويعتبرون أن مهمتهم مرهونة سجل النضال الوطني لأبناء شعبهم، إضافة إلى الدفاع عن تجربته النضالية ضد كل مشكك فيه أو منتقص من قدرها، والى هذه الفئة النادرة كان ينتمي محمد عودة الذي ودعته مصر والعالم العربي صبيحة الثامن عشر من أكتوبر عام 2006 بعد صراع طويل مع المرض وبعد حياة حافلة بالعطاء في مجال الصحافة تجاوزت الستين عاما كان خلالها بحق أحد شيوخ هذه المهنة في مصر.
ولد محمد عودة عام 1920 م في قرية جهينة مركز فاقوس التابع لمحافظة الشرقية وكان والده واحدا من كبار تجار القطن ولكنه تأثر شأنه شأن غيره بالأزمة الاقتصادية التي ضربت مصر في الثلاثينات من القرن العشرين، وكانت الأسرة تطمح إلى أن يصبح ابنها محاميا مرموقا ليتمكن من استرداد الأراضي التي فقدتها الأسرة ، وبالفعل انتقل الشاب إلى القاهرة وانخرط في العمل بالمحاماة وذكر فيما بعد أنه قرأ مقولة لفرعون مصري جاء فيها أن مصر دولة زراعية ومن يريد أن يحكمها فعليه الاستياء على العاصمة، فقرر أن يستولي على العاصمة!
وكانت الحادثة التي هزت وعي عودة وجعلته يغير مساره عند عودته إلى قريته وزيارته لأحد المرضى بصحبة طبيب صديق له وحين أدرك الطبيب أن المريض مصاب بداء الكوليرا وأن حالته ميئوس منها سأله "نفسك في إيه" فأجاب المريض ببساطة "نفسي في حلاوة طحينية"! فقد كانت الحلاوة بالنسبة لأمثاله من فلاحي مصر في تلك الفترة أمنية غالية لا يستطيعون الحصول عليها.
وجعلت هذه الحادثة عودة يغير مجال اهتمامه –وعمله -من المحاماة إلى السياسة والكتابة بحثا عن وسائل لتغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية المتردية التي شهدها ،وبدأ مسيرته من الهند التي ذهب إليها في أوائل الخمسينيات للعمل في الإذاعة الموجهة للدول العربية خلفا للكاتب كامل زهيري ولعل ما شهده في قريته هو ما جذبه لتجربة الثورة "الماوية" في الصين، فقد كانت ثورة قوامها الفلاحون ولذلك أصدر عن هذه التجربة أول كتبه "الصين الشعبية" وكان أول كتاب لكاتب عربي عن الصين وواجه صعوبات رقابية جمة وتعرض للكثير من الحذف، مما أخر صدوره إلى ما بعد قيام ثورة 1952 التي قامت بنشر الكتاب كاملا دون حذف.
وبعد قيام ثورة يوليو عام 1952م في مصر التحق عودة بالعمل في جريدة الشعب التي كان يرئسها صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة، وقد شكلت ثورة يوليو منعطفا مهما في حياة محمد عودة، فقد أمن بالثورة وفلسفتها الإصلاحية وشخص قائدها جمال عبد الناصر إلى حد التماهي وكان يرى فيها امتدادا ووريثا شرعيا لكافة ثورات مصر منذ ثورة القاهرة ضد حملة نابليون بونابرت مرورا بتجربة محمد علي ووصولا إلى الثورة العرابية.!
واستمر عودة في العمل الصحفي وانتقل إلى مجلتي روز اليوسف وصباح الخير، وفي عام 1977 شغل منصب أول رئيس تحرير لجريدة "الأهالي" التي مثلت لسان المعارضة اليسارية ضد نظام الرئيس السادات، خاصة فيما يتعلق بسياسة الانفتاح الاقتصادي والصلح مع الدولة العبرية.
وخلال مسيرته الصحفية الطويلة، قدم عودة للقارئ عشرات الكتب، عبر فيها عن توجهه القومي العروبي وكذلك عن إيمانه العميق بالاشتراكية كفلسفة ومنهاج وكان يرى في تجربة عبد الناصر أول تجربة ناجحة في الشرق لتطبيق الاشتراكية العلمية، ومع اشتداد الحملة على الثورة وعلى التجربة الناصرية منذ منتصف السبعينيات تقريبا، سخر عودة قلمه للدفاع عن هذه التجربة مستعينا بكم هائل من القراءات والوثائق العربية والأجنبية في الرد على منتقدي الثورة ومن هذه الكتب نذكر على سبيل المثال لا الحصر: "الباشا والثورة" الذي خصصه للرد على مؤسس حزب الوفد الجديد فؤاد سراج الدين و"الوعي المفقود" الذي كان بمثابة تفنيد لأراء الكاتب توفيق الحكيم التي أودعها كتابة "عودة الوعي" والذي مثل هجوم عنيفا في وقته على تجربة يوليو و"الطريق الى صنعاء" وفيه قدم عودة بأسلوب أدبي رفيع قصة الثورة اليمنية ومساندة مصر لها وقام بالرد على كافة الانتقادات التي كانت توجه إلى التدخل المصري في اليمن.
ولم يختلف عودة المؤرخ عن عودة الصحفي، فقد استطاع محمد عودة بقلمه الرشيق أن يؤسس بحق لمدرسة جديدة في الكتابة التاريخية، فأغلب كتابات عودة التاريخية ليست كتبا أكاديمية جامدة وإنما أستطاع صاحبها أن يجعلها أقرب ما تكون إلى روايات أدبية قدمها إلى القارئ بسلاسة ويسر، وتجلى ذلك في دراسته القيمة عن الحملة الفرنسية على مصر ومقاومة الشعب المصري لها والتي نشرت على صفحات مجلة روز اليوسف وكذلك كتابه عن الثورة العرابية بعنوان "قصة ثورة"، وفي عام 1997 أصدر عودة كتابه المرجع "ليبراليون وشموليون" والذي تناول فيه قصة وتاريخ الديمقراطية والحزبية في مصر، راسما بذلك صورة لكفاح طويل من أجل الحرية.
بدءا من تأسيس الحزب الوطني في أواسط القرن التاسع عشر وهو الحزب السياسي الأول من نوعه في الشرق ، حيث سبق حزب "الكومنتانج" الصيني و حزب "المؤتمر" في الهند، وتأسيس مجلس النواب مرورا بالثورة العرابية والمقاومة الشعبية الباسلة للاحتلال البريطاني وصولا إلى النظام السياسي المتعدد الأحزاب والتوجهات والذي عرفته مع بدايات القرن العشرين.
وكانت أخر إضافات عودة إلى المكتبة هو كتابه "كرومر في مصر" الذي استكمل فيه ما بدأه في ليبراليون وشموليون، حيث رصد قصة الصراع بين الاحتلال البريطاني في مصر ممثلا في مندوبه السامي اللورد كرومر وبين الحركة الوطنية المصرية ممثلة في زعيمها الشاب مصطفى كامل، والذي وصل إلى ذروته في مذبحة دنشواي عام 1906 والتي تمكن مصطفى كامل من استخدامها للتنديد بالاحتلال في عقر داره، لتنتهي المواجهة بهزيمة كرومر ومغادرته مصر في العام 1907م.
وبعد، فقد كان عودة نموذجا للمثقف العضوي الذي يقرن القول بالفعل والفكر والفكر بالممارسة، فكان أحد المشاركين بقوة في حركة التغيير التي شهدت مصر فعاليتها في العام السابق لوفاته وكان يرى أن السبيل الوحيد لخروج مصر من أزمتها الحالية وان بدا رومانسيا إلا أنه يتمثل في تكوين جبهة قومية من خمسة تيارات رئيسية: "التيار الليبرالي الوطني بمعناه العصري والتيار القومي الناصري أو تيار الاشتراكية العلمية والتيار الماركسي الوطني الملائم لمصر والتيار الديني غير المتشدد أو ذو المرجعية الإسلامية المستنيرة".
وأخيرا، فقد بقي محمد عودة على مدى أكثر من ستين عاما قضاها في ميدان الصحافة مصريا، مثقفا وطنيا مخلصا لقلمه ووطنه، ذلك الوطن الذي ذاب في كيان الكاتب وذاب الكاتب في كل ذرة من ذراته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رموز مضيئة | السمات:رموز مضيئة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 21st, 2007 at 21 يناير 2007 2:55 ص
الاستاذ محمد عودة رمز للشخصية المصرية الوطنية ربنا يفيض علينا برجال مثل عودة من رحم مصر الخصب
يناير 21st, 2007 at 21 يناير 2007 11:11 ص
الأخ / عمر
الحكيم محمد عوده واحد من القلة المؤمنة التى تصنع التاريخ
يكفيه أن نصف صحفيو مصر الشرفاء المقاومين للمشروع الصهيونى الأمريكى تتلمذوا على يديه .
يكفيه ما تركه من درر مكتوبة استخرج منها جواهر ثمينه
رحم الله محمد عودة
شيخ الصحفيين