هل هناك حرب باردة بين العرب و ايران ؟

كتبهايمنى و دارين ، في 24 يناير 2007 الساعة: 11:35 ص

هل هناك حرب باردة بين العرب وإيران؟

د. محمد عبد السـلام

 

هناك سؤال افتراضى يستحق أن يطرح، فإجابته يمكن أن تفسر بعض ما يجرى فى الشرق الأوسط حاليا، وكثيرا مما يمكن أن يحدث فيه مستقبلا، وهو: هل بدأت حرب باردة فى المنطقة بين الدول العربية وإيران؟ بالطبع لا يمكن الجزم بشأن تلك الأمور ببساطة، لكن ثمة مؤشرات تؤكد أن الإجابة هى (نعم)، لقد بدأت حرب باردة بين تحالف من الدول العربية وإيران، وأن نطاقها يمكن أن يتسع ليؤثر بشدة على أوضاع المنطقة، ما لم يصل الطرفان إلى نوع من الوفاق.

إن هناك بدايات مختلفة لفهم تلك المسألة، فالبعض يتصورها تاريخية، ويعود بالعلاقة إلى ما كان قائما فى الزمن السحيق بين الفرس والعرب، مقررا أن إيران ظلت دائما فارسية، بصرف النظر عن تغير الشكل، من صفوية إلى قاجارية إلى بهلوية إلى خومينية إسلامية. والبعض يتصورها مذهبية تتعلق بجمهورية إسلامية حاولت من قبل تصدير ثورتها، وعادت مرة أخرى إلى تلك السياسة. وآخرون يعتبرونها جيواستراتيجية تتعلق بأمن دول عربية تهدده واحدة من دول الجوار التى تتصور حاليا أنها القوة الإقليمية العظمى، وأيا كانت المرجعية، فإن هناك مشكلة بين الطرفين.
لقد كانت الدول العربية، دائما، وفقا لنظرية سائدة لدى النخب السياسية، والبيروقراطيات الحكومية، وقادة الرأى العام، تنظر لدول الجوار، التى تعرف عادة بأنها إيران وتركيا وإثيوبيا، على أنها يمكن أن تمثل عدوا محتملا أو حليفا متصورا. ولقد سادت الرؤية الأولى فى كثير من الأحيان، فهناك حساسية عربية تجاه تلك الدول الكبيرة، صاحبة الحضارات القديمة، التى توجد على حدود العالم العربى وتحاول التدخل فى شئونه أو السيطرة على أطرافه، وعبر الزمن، أصبحت التوجهات إزاء تركيا وإثيوبيا أكثر مرونة، رغم وجود بعض المشاكل، لكن ظلت التوجسات إزاء إيران قائمة لدى كثيرين.
الخطر الإيرانى
ولقد اتخذ ما يسمى التهديد الإيرانى، وفق ما هو سائد فى التفكير العربى العام، أشكالا مختلفة خلال العقود الماضية، فقد كان شاه إيران الأخير، محمد رضا بهلوى، يحاول أن يعمل كشرطى فى الخليج، ويهدد دوله، وقد تمكن من الضغط على العراق عام 1975. ثم تبنت الثورة الإسلامية بعد عام 1979 مبدأ تصدير الثورة، وحاولت إزعاج العراق، ونشبت حرب طاحنة بينهما لمدة 8 سنوات على ما أسماه العراق البوابة الشرقية. ثم قامت بإزعاج السعودية فى مواسم الحج، وتهديد الإمارات بالاستيلاء على الجزر الثلاث، مع إرسال إشارات مقلقة إلى البحرين والكويت، وتوترت علاقاتها بشدة مع كل من مصر لأسباب سياسية وأمنية لا حصر لها، ومع الجزائر بفعل ما اعتبرته دعما إيرانيا للإرهاب.
كانت هناك خطوط تشير إلى أن العلاقات بين العرب وإيران ليس محكوما عليها بأن تكون متوترة، فقد وصلت العلاقات بين مصر وإيران قبل الثورة الإسلامية إلى حد المصاهرة فى العهد الملكى، والصداقة القوية فى أيام السادات. كما وصلت العلاقات بين إيران وعدد من الدول العربية إلى درجة التحالف الإستراتيجى كما حدث بينها وبين سلطنة عمان والسودان وسوريا، وشهدت فترة حكم الرئيس محمد خاتمى تحديدا تطورات تعاونية غير مسبوقة، كادت الهواجس أن تختفى فيها تماما، بين الدول العربية (خاصة مصر والسعودية) وإيران، وكان هناك فى كل وقت مستوى من التعاون الإقتصادى، لكن التوتر ظل أيضا هو السمة السائدة لمجمل مسار العلاقات.
لكن كل ذلك قد انهار فجأة، بفعل عاملين هما، السياسات الإيرانية تجاه العراق فى مرحلة ما بعد الغزو الأمريكى له عام 2003، ووصول المتشددين إلى السلطة فى طهران، بقيادة الرئيس أحمدى نجاد فى عام 2005، فقد بدا أن كل المشاكل عادت مرة واحدة بين الطرفين، لكن الأهم أن التهديد الإيرانى المفترض قد اتخذ هذه المرة شكلا شديد التعقيد، تختلط فيه المكونات المذهبية المتصلة بما سمى الخطر الشيعى، بمكونات جيواستراتيجية تتعلق بما سمى الدور الإيرانى أو النفوذ الإيرانى أو القوة الإيرانية، وبدا بوضوح أن المشكلة الإيرانية قد عادت.
الانفجار الرباعى
كانت مشكلة تلك المرحلة تتمثل فى أن الخطر الإيرانى -من وجهة نظر دول عربية رئيسية- هذه المرة، لا يهدد مجرد مصالح أو أمن الدول بالمعنى المفهوم، وإنما كيان أو بقاء الدول ذاتها، فإيران (وفقا لتقديرات معينة) تقوم بالاستيلاء على العراق، وتدعم نفوذها داخل بعض الدول العربية مثل لبنان استنادا على قوى سياسية مرتبطة بها، وتقترب بقوة من الشأن الفلسطينى الداخلى، وتعتبر أن قدرتها على إزعاج الدول المجاورة لها داخليا ورقة قوة، وتسعى لامتلاك أسلحة نووية مقلقة بالنسبة لدول المنطقة، وتطرح نفسها كقوة إقليمية عظمى، لديها تصور بشأن حالة الإقليم يمكن التفاوض حوله مع الولايات المتحدة.
كانت هناك أسس لكل ذلك، فهناك معلومات محددة حول المدى الذى وصلت إليه التأثيرات الإيرانية داخل العراق، وتصورات أخرى بشأن الاندفاع فى تدعيم العلاقات الإستراتيجية بين سوريا وإيران، وبيانات حول قيام إيران بتطوير قدرات حزب الله فى لبنان، أو إقامة علاقات مع قوى داخل اليمن، بما أدى إلى تمرد ضد الحكومة، كما كانت لدى الدول العربية تقديراتها بشأن النوايا النووية الإيرانية، والأهداف المتصورة للضربات فى حالة حدوث حرب بينها وبين القوات الأمريكية، وتصاعد صوت الطوائف الشيعية فى المنطقة بطريقة غير معتادة، ونشطت إيران فى اتجاه العبور إعلاميا إلى الرأى العام العربى، وأدت الطريقة التى يتحدث بها الرئيس أحمدى نجاد عن القوة الإيرانية العظمى إلى تدعيم ذلك.
جاءت الردود العربية على الموجة الإيرانية مباشرة، فقد اتخذت شكلا رسميا ارتبط بتصريحات على أعلى المستويات، واستخدمت خلالها عبارات قوية لكى تصل الرسالة بدون لبس، فقد تحدث الملك عبد الله ملك الأردن عن الهلال الشيعى، وأثارت الكويت مسألة القلق بشأن القدرات النووية الإيرانية، وصدرت تصريحات حادة من وزير الخارجية السعودى سعود الفيصل حول تسليم الولايات المتحدة العراق لإيران، وأشار الرئيس مبارك إلى مشكلة الولاء المزدوج للشيعة تجاه إيران، فقد وضح أن دولا عربية رئيسية قد قررت أن تلفت الانتباه بشدة إلى أنها تراقب الموقف، وأن لديها تقديراتها بشأنه، وأنها لن تقف ساكنة.
احتواء إيران
هناك ما يشير إلى أن تلك الدول العربية المعنية لم تتوقف فعليا عند هذا الحد، فرغم أنها كلها كانت غير راغبة فى خوض صراع مكشوف مع القوة الإيرانية العائدة، أو التى تحاول القفز عبر حدود المنطقة، على النحو الذى تؤكده محاولاتها التخفيف من تصريحات مسئوليها بشأن إيران، أو استمرارها فى إجراء الاتصالات، وتبادل الزيارات مع المسئولين الإيرانيين، إلا أنها كانت راغبة بنفس الدرجة فى التأكيد على أنها تدرك ما يدور، وأنها - مثل كل الدول - لن تسمح بمساس لا يمكن احتماله بمصالحها، وهناك تفسيرات تقرر أن ارتباطاتها بواشنطن التى تخوض صراعا مع طهران هى الدافع خلف تلك المواقف، إلا أن تلك الدول ذاتها لديها مشاكل حقيقية مع الولايات المتحدة، وتحملها أحيانا مسئولية وصول الوضع إلى ما وصل إليه.
ولا يعرف أحد على وجه الدقة، ما الذى تتصور الدول العربية المتحالفة أنها يمكن أن تفعله بشأن ما وصل إليه التأثير الإيرانى فى الشئون الداخلية العراقية، لكن هناك تقارير مختلفة بشأن تحركات تحاول أن تتعامل مع هذا الوضع، وأدى ذلك أحيانا إلى حنق بعض المجموعات العراقية تجاه سياسات بعض الدول العربية بسبب قيامها أو عدم قيامها ببعض تلك النشاطات. ويظل المؤكد هنا أن تلك العواصم العربية تحاول تدارك الوضع على تلك الساحة بمنطق الاحتواء على الأقل، باستخدام أساليب مختلفة، دون أن تقدم على خوض صراع مكشوف مع طهران، فى ظل تقديرات مختلفة لمدى قدرتها على إعادة العراق إلى الحظيرة العربية، فهذه المسألة معلقة.
ماذا بعد ؟
إن المؤكد هو أن مواجهة ما قد بدأت بين عدة دول فى المنطقة العربية وإيران، وأن تلك المواجهة تتخذ شكل الحرب الباردة التى ترتكز على العمل غير المباشر، الذى لا يقود إلى المواجهة المكشوفة، لكنه يهدف فى النهاية إلى تحقيق نفس الغرض، وهو فرملة الامتداد الإيرانى فى المنطقة العربية، ومن المؤكد أيضا أن إيران قد أدركت ذلك بوضوح شديد، وبالتالى أصبحت الخيارات المتاحة أمام الطرفين محددة تماما، فلا يوجد مجال لنكوص إيران عما كانت قد تخيلت بعض مراكز القوى داخلها أن الفرصة متاحة للقيام به، ولا يوجد مجال لقيام العواصم العربية المعنية بإخلاء الطرق لإيران لملء ما تعتقد أنه فراغ عربى. وبالتالى، تتمثل الاحتمالات المباشرة فى المدى القصير فى أن يتجه الطرفان إلى الصراع غير المباشر الذى تستخدم فيه الحملات الدعائية والارتباطات السياسية والدعم المالى والحروب بالوكالة والأنشطة السرية، وهو ما تقوم به إيران عمليا، ولدى الدول العربية أيضا قدرات من نوع ما فى هذا المجال، أو أن يتجه الطرفان إلى نوع من الوفاق الذى يقود إلى تحديد قواعد الاشتباك أو فض الاشتباك بينهما على مسرح الإقليم.
المشكلة أنه لا يمكن ترجيح خيار على آخر، فالحرب الباردة قد بدأت توا، على الأرجح، وهناك دول أخرى عربية وغير عربية -كسوريا وإسرائيل- تتطاحن فى قلبها، وفق قواعدها الخاصة، ويحتاج كل من الطرفين العربى والإيرانى إلى فترة اختبار لتحديد ما يمكن أن يقوم أو ما لا يقوم به، فى المرحلة التالية.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تحليل سياسى | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر