الشرق أوسطية سيطرة صهيونية على الوطن العربى
كتبهايمنى و دارين ، في 27 يناير 2007 الساعة: 15:38 م

الشرق أوسطية سيطرة صهيونية على الوطن العربي
فوزي منصور
(1) دون التحديد الدقيق لطبيعة المرحلة الحالية، يصعب تبين المهام المترتبة عليها.
(2) حديث الوثائق و الاحداث يحسم الجدل المحتدم حول ا لمشروع الشرق اوسطى
( 3 ) تسمية " السوق المشتركة " تسمية مضللة تستهدف تبرير مبدأ مشاركة اسرائيل للعرب فى ملكية موارد العرب !
(4) مستوطنات صهيونية جديدة بطول وعرض الاقتصادات العربية
(1) دون التحديد الدقيق لطبيعة المرحلة الحالية، يصعب تبين المهام المترتبة عليها.
إن تطور الاحداث فى السنوات الاخيرة، والصراع الفكرى والسياسى الدائر حولها، يقدمان الدليل على ان التحدى الحقيقى والاعظم الذى اصبح يواجه الأمة العربية اليوم هو كيف يمكن أن تعبئ قواها السليمة لكى تواجه بها المشروع الشرق أوسطى، وتوقع به الهزيمة، وتجعل من هذه المعركة التاريخية الحاسمة أساسا لإعادة التحرر والبناء. والسطور التالية تحاول فى ايجاز بيان ذلك.
(2) حديث الوثائق و الاحداث يحسم الجدل المحتدم حول ا لمشروع الشرق اوسطى :
لقد شغل الرأى العام فى هذه السنوات بمناقشات حامية حول المشروع الشرق أوسطى : هل تقبل البلدان العربية على هذا المشروع أو ترفضه؟ وهل تشارك فيه قبل استكمال "عملية السلام " الجارية أم تجعل هذه المشاركة مشروطة بما يسمى "تحقيق السلام الشامل والدائم والعادل "؟ وهل هناك تعارض بين المشروع الإقليمى الشرق أوسطى والمشروع القومى العربى أم أن المشروعين متكاملان؟ وما الشروط والأوضاع التى تحقق للعرب أقصى الفوائد والمزايا من المشاركة فى المشروع الشرق أوسطى .. إلخ . وكان لهذه المناقشات فائدة لاتنكر فى إطلاع الرأى العام العربى على العديد من جوانب هذا الموضوع . وعلى المواقف المتباينة للقوى الاجتماعية والسياسية والشخصيات العامة التى شاركت فى المناقشة.
لكن الواقع الحى المتصاعد الإيقاع، المعزز بما كان خفيا من وثائق ومواقف رسمية أمريكية صهيوينة أو عربية ، كان هو الأسرع إلى حسم الكثير مما احتدم حوله الخلاف.
لقد أثبتت تطورات الأحداث وكشفت الوثائق والمواقف:
أولا : أن المشروع الشرق أوسطى ليس اقتراحا مطروحا للقبول أو الرفض ، لكنه خطة طال التحضير لها فى أروقة وأجهزة الحكم والدوائر الأمريكية والصهيونية ، وأخذت الموافقات عليها بليل من بعض مراكز اتخاذ القرار العربية، وطرحت أهم عناصرها للمناقشة من سنوات عديدة بين مجموعات منتقاة من المثقفين العرب والإسرائيليين تحت رعاية الهيئات العلمية الأمريكية والمؤسسات المالية الدولية بهدف إكساب الخطة مشروعية علمية وإظهارها كما لو كانت نتيجة التوافق الموضوعى بين المصالح الإسرائيلية والعربية.
المشروع هو المحتوى الحقيقى للسلام العبرانى وهدفه النهائي وقد بدأ تنفيذه بالفعل من زمن طويل :
ثانيا : أن تنفيذ هذا المشروع لاينتظر قيام السلام : أى سلام ، عادلا كان أو غير عادل؟ شاملا أو غير شامل؟ كاملا أو غير كامل؟ وإنما بدأ التنفيذ الفعلى للعديد من عناصر المشروع ، حيثما أمكن ذلك، حتى قبل أن يكشف بعض الرسميين العرب الستار عنه فى عام 1993.
وفى مرحلة أولى بدا كما لو كان تنفيذ المشروع الشرق أوسطى موازيا للتقدم على طريق السلام : يتحقق من هذا بقدر ما يتحقق من ذاك ، واستخدمت صيغة مدريد ذات المسارين المتوازيين لإثارة الالتباس حول ترتيب الأولويات .
لكن التصريحات الرسمية الإسرائيلية، بما فى ذلك ماقدم منها كوثائق رسمية فى مؤتمر الدار البيضاء، مالبثت أن أوضحت بشكل متصاعد أن تنفيذ المشروع الشرق أوسطى شرط لتحقيق السلام (الإسرائيلى)، ثم هو الضمان لدوام السلام، بل- وأخيرا- هو المحتوى الحقيقى للسلام ! الأمر الذى يفتح المجال لتساؤل مزدوج لم يطرحه أبدا على أنفسهم دعاة المشروع من العرب: إذا كان المشروع يحقق صالح العرب كما يقولون فلماذا تحتاج إسرائيل إلى الحصول على موافقة العرب المسبقة عليه، وفى الحقيقة تنفيذ عناصر مهمة منه ، قبل أن تتنازل لهم عن بعض حقوقهم؟ وإذا كان السلام عادلا بأى معنى من المعانى، فلماذا تقتضى إسرائيل من العرب- وهم الطرف الأضعف بموازين القوى الحالية- تقديم الضمانات تلو الضمانات لعدم إخلالهم فى المستقبل به، وعلى رأس هذه الضمانات أن يقبلوا تكبيل أنفسهم مقدما بمشروعها الشرق أوسطى؟
وعلى مستوى الأحداث فإن الكثير من الترتيبات الاقتصادية الواردة فى اتفاقات السلام التى عقدت مع مصر ثم مع قيادات منظمة التحرير الفلسطينية ثم الأردن، والتى نفذ بعضها بالفعل ويجرى تنفيذ البعض الآخر منها، هى عناصر متفرقة من المشروع الشرق أوسطى الكبير لايتضح مغزاها إلا إذا وضعت بجوار بعضها البعض، كما أن الكثير من الترتيبات الاقتصادية التى تفرضها الاتفاقيات الثنائية مع أمريكا أو مع المؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولى وصندوق النقد هى دون أدنى شك خطوات لاغنى عنها لتنفيذ المشروع الشرق أوسطى على الوجه الذى تخطط له أمريكا وإسرائيل. وعلى المستوى الجماعى فإن مؤتمرات مثل الدار البيضاء وعمان، بما تفيض به من تطبيع ومشروعات عامة أو خاصة مشتركة مع إسرائيل، وصفقات معلنة وغير معلنة، واتفاقات لإنشاء مؤسسات اقتصادية إقليمية أو رسم سياسات اقتصادية مشتركة، ليست سوى الطريق الآخر والأسرع لتحقيق المشروع الشرق أوسطى ، دون انتظار لسلام شامل أو عادل.
المشروع مناهض للقومية العربية وقائم على انقاضها
ثالثا : أن هذا المشروع ينتمى تاريخيا ، لا إلى " المستجدات الدولية و " النظام العالمى الجديد" كما يقال، ولكن إلى محاولات الوأد المتكرر لمشروعات النهضة العربية، بدءأ بمشروع محمد على وانتهاء بمشروع عبد الناصر والخوف الدائم من تكراره. والمشروع الشرق أوسطى هو من هذه الناحية الامتداد الطبيعى لوعد بلفور واعلان دولة إسرائيل ، والمرحلة النهائية الأعظم أهمية على طريق إقامة دولة إسرائيل العظمى المسيطرة إقليميا.
ومشروع يجرى تصميمه بهذه الأبعاد وذلك الهدف لايمكن إلا أن يكون نقيضا للقومية العربية وقائما على أنقاضها، بل إنه قد أصبح بالفعل الأداة المميزة لإيقاع المزيد من الفرقة بين البلدان العربية.
وقد جلس المراقبون على "حيطة" الدار البيضاء وسمعوا "زيطة" الحكام والمندوبين العرب وخلافاتهم الناشئة من التسابق على نيل الخطوة لدى إسرائيل السيد الجديد . لكن المستقبل يحمل ماهو أكثر مرارة من ذلك . فالدراسة الفاحصة للعديد من "المشروعات الإقليمية التى تقدمت بها إسرائيل إلى مؤتمر الدار البيضاء، وعلى رأسها مشروعات مد أنابيب المياه من تركيا إلى السعودية وبلدان الخليج وأنابيب النفط من آباره فى منطقة الخليج إلي الموانىء الإسرائيلية على البحرين الأبيض والأحمر يقصد بها، فى أحد وجوهها ، الإيهام بوجود تناقض أصيل فى المصالح بين بلدان الصحارى العربية المتلقية للمياه النابعة من تركيا وبين سوريا والعراق صاحبتى الحقوق التاريخية على هذه المياه ، أو بين البلدان النفطية التى سوف تخرج منها خطوط النفط الجديدة وتلك التى سوف تعبرها وبين البلدان العربية الأخرى التى تمر خطوط النقل الحالية- مثل قناة السويس- فى أراضيها.
كذلك أيضا فإن التخطيط الذى يجرى تنفيذه حاليا لاستخدام الكيان الفلسطينى التابع والأردن كمعبر لإسرائيل نحو بلدان الخليج والعراق ( لو نجحت محاولات ترويضه) والعكس هو فى أحد وجوهه محاولة مفضوحة لإيقاع المزيد من التناقضات بين هذه البلدان العربية وبين سوريا ولبنان.. وهكذا.
وإزاء هذه الآليات المصممة عن عمد داخل بنية المشروع الشرق أوسطى لإشعال الصراعات بين البلدان العربية يصعب أن يجد المرء الكلمات المناسبة لوصف تاكيدات بعض المسئولين فى الدول العربية وفى الجامعة العربية بوجه خاص بألا خطر هناك من المشروع الشرق أوسطى على المشروع القومى العربى وبإمكان التوفيق بين المشروعين .
المشروع غير قابل لأي تعديل جوهري يتقدم به العرب :
رابعا : إن مشروعا له هذه الأبعاد الضاربة فى أعماق التاريخ ، وجرى التحضير له منذ سنوات عديدة بدأب ومعرفة، ويهدف حقا إلى التسوية الشاملة التى لارجعة فيها للصراع العربى الإسرائيلى لصالح إسرائيل والقوة العتيدة التي تقف وراءها دون مراعاة لصالح العرب بل وعلى حساب كيانهم ومستقبلهم، وتمت أخذ الموافقات الصريحة أو الضمنية على خطوطه العريضة من بعض العرب المتحكمين فى رقاب العرب، ويفرض على العرب فى لحظة تاريخية نادرة تجمعت عليهم فيها كل عوامل الوهن والهوان المتصورة ، مثل هذا المشروع لايمكن أن يكون مطروحا لمناقشة يمكن أن تخرج به عن الأهداف التى صمم من أجلها أو الأليات الرئيسية التى تخدم هذه الأهداف. وعلى الأكثر فكل مايستطيعه المفاوض العربى لو أوتي بعض الحذق والإصرار هو التغيير في التسميات أو ترتيب الأولويات أو التوقيت أو غير ذلك من التفاصيل التي لاتغير من طبيعة المشروع .
ومن هنا فإن حجة " قبول المشروع مع العمل على تعظيم مكاسب العرب منه " هى على الأكثر حجة المستسلم الذى لايحاول رد قضاء الأعداء ولكن يسألهم اللطف فيه.
ذلك موقف، بصرف النظر عن أية اعتبارات أخرى قيمية أو معنوية نضعها نحن فى قمة تقديراتنا، لاتبرره حقائق الأوضاع الدولية المعاصرة، ولا إمكانيات العمل العربى المفتوحة أمام من لاتقصر بصيرته أو همته عن تعبنتها وحسن استخدامها. لكن التعرف على هذه وتلك يتطلب أول مايتطلب النظرة الأكثر تدقيقا لأليات المشروع الشرق أوسطى ونتائجه المباشرة.
( 3 ) تسمية " السوق المشتركة " تسمية مضللة تستهدف تبرير مبدأ مشاركة اسرائيل للعرب فى ملكية موارد العرب !
إن المشروع الشرق أوسطى الذى يجرى الآن فرضه على الأمة العربية مشروع ذو طبيعة خاصة، صمم بعناية لتحقيق أهداف محددة لاشأن له أولها بالتسمية التى يروج للمشروع تحتها: تسمية " السوق الشرق أوسطية"
لقد ابتدع أصحاب المشروع هذه التسمية البعيدة كل البعد عن حقيقته ( ورددها وراءهم ذوو الغفلة من الرسميين العرب) للتضليل بها، على نحو ماتفعل إسرائيل بمصطلحات أخرى مثل " الأمن " أو " السلام " : تعطيها مضمونا خاصا بعيدا عما يعرفه العالم تحت اسم الأمن أو السلام، لكى تستفيد من هذه الكلمات المقبولة عالميا للتعمية على أهداف أخرى غير مقبولة هى احتكار القوة والسيطرة على الجيران.
ابتدعت إسرائيل تسمية " السوق لكى يستقر فى أوهام العرب أن ماتسعى إليه مماثل لما يحدث فى مناطق أخرى من العالم كالسوق الأوروبية المشتركة، وهو من ثم تطور طبيعى يستجيب لمتطلبات العصر، ولكى تسرب فكرة خبيثة دائمة التردد فى الكتابات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية، هى فكرة " الموارد المشتركة" التى تصبح " ملكا مشتركا لسكان الإقليم يستخدم لصالحهم
جميعا"، مختلقة بذلك أساسا نظريا لحق غير قائم فى التدخل فى كيفية استخدام العرب لموارد بلادهم وفى مشاركتها لهم فى استغلالها تمهيدا للسيطرة عليها.؟
وحقيقة الأمر أن مفهوم " الأسواق المشتركة " لايحمل بأى وجه من الوجوه معنى الملكية المشتركة للموارد الذى تروج له إسرائيل بكل قواها ويسكت عليه المدافعون العرب عن مشروعها. هذا من جانب، ومن جانب آخر فمن غير المتصور أن تقبل إسرائيل الالتزام بالأساس الأول والحقيقى الذى يقوم عليه مفهوم الأسواق المشتركة، وهو إطلاق حرية العمل ورأس المال، لا للسلع والخدمات فقط ، فى الانتقال بين البلدان الداخلة فى السوق المشتركة، ومعاملتها فى البلد الذى تنتقل إليه على قدم المساواة مع العمل ورأس المال المحلى : لايتصور أن تقبل إسرائيل شيئا من ذلك لا فى المدى القصير ولا فى المدى الطويل لأنه يعنى الانهيار الكامل لكافة الترتيبات والأسس الاقتصادية التى تقوم عليها دولة إسرائيل الصهيونية العنصرية ذات الاقتصاد المنغلق- إلا بالنسبة لمن يقدمون الخدمات العارضة - على من يعتنقون ايديولوجيتها أو يتعاطفون معها.
المشروع الشرق أوسطي مشروع من نوع خاص ، فصّل خصيصاً كقميص أكتاف للعرب
والحقيقة المقابلة لما تقدم هى أن ماتطرحه إسرائيل هو مشروع من نوع خاص، ولاينتمي بأية حال إلى عائلة الأسواق المشتركة، فصل بعناية فائقة لكى يأخذ فى الاعتبار الأوضاع المتباينة لمختلف البلدان العربية من نواحي القرب الجغرافى من إسرائيل والوزن السكانى والموارد والثقل الاقتصادى، والدور المحدد الذى يخصص لكل منها- بناء على هذه الأوضاع- فى خدمة اقتصاد إسرائيل ومد الجذور المغذية له فى المنطقة وإحكام سيطرتها على مواردها واتجاهات تطورها..
ولهذا السبب، وتحقيقا لهذه الأهداف ، فإن المشروع المطروح هو مشروع ذرائعى يستخدم آليات شديدة التباين، بدءاً من التخطيط المحكم إلى إطلاق قوى السوق ومرورا بمشروعات التكامل الشديدة التنوع وفقا لظروف كل بلد وإمكانياته ، وتخدمه مؤسسات مالية وغير مالية مشتركة تسيطر عليها إسرائيل والقوى التى تقف من ورائها، ويسانده فى المحل الأخير، مثل كل تنظيم اقتصادى اجتماعى قائم على السيطرة والاستغلال، تفوق إسرائيلى العسكرى على كل من عداها فى المنطقة.
ماهو إذن هذا المشروع اللقيط المتعدد الأنساب الذى قضى علماء إسرائيل وأجهزتها المختلفة سنوات طويلة فى ابتداعه واحكامه وقدموه كمشروع " السلام الإسرائيلي " ، تماما كما بدأوا- على نمو ما أثبتت الوثائق الرسمية فيما بعد- الاستعداد فى عام 1956 لحرب لم تقم إلا فى عام 1967؟
إن الدراسة المتأنية للكتابات والوثانق الرسمية الإسرائيلية المتاحة، وبوجه خاص كتاب ييريز عن "الشرق الأوسط الجديد" والوثيقة الإسرائيلية المقدمة إلى مؤتمر الدار البيضاء، والأوراق والأبحاث العلمية التى قام عليها الكتاب والوثيقة، وكذلك على الوثيقة المصرية الرسمية المقدمة إلى مؤتمر الدار البيضاء ، تبين أن ذلك المشروع يقوم على دعائم أربع :
شبكات البنية التحتية الإقليمية تجعل من اسرائيل المركز العصبى للنشاط الاقتصادي في المنطقة :
اولا : مجموعة من شبكات البنية التحتية الإقليمية، مخططة بعناية فائقة لكى تجعل من إسرائيل القلب النابض والعقل المتحكم والمركز العصبى للنشاط الاقتصادى فى المنطقة، كما تجعل من محاولة أى بلد عربى للخروج من هذا الإطار المحكم بعد التورط فيه أمرا عالى التكلفة، إن لم يكن مستحيل التنفيذ.
هذه الشبكات تشمل الطرق البرية والسكك الحديدية والموانى المفتوحة والمطارات المشتركة ووسائل الاتصال، وخطوط أنابيب البترول والغاز والكهرباء وخطوط المياه ومحطات تحليتها، وأهم من ذلك جميعا الشبكة المعلوماتية التى تسميها وثيقة الدار البيضاء المصرية " طريق الإعلام الإقليمى العالى " وتجعل مهمتها أن تجمع معا شعوب الإقليم وأصحاب أعماله ومؤسساته من خلال إنشاء قنوات إقليمية متعددة ومترابطة لنقل الصور والأصوات والبريد الإليكترونى والمعلومات المختزنة على النحو الذى يطور الان مثلا فى الولايات المتحدة والذى يفتح المجال واسعا للسيطرة الثقافية والمعلوماتية والمخابراتية الأجنبية القادرة على تخطى حواجز الدولة وإتاحة الفرصة للتخاطب المباشر بين مراكز التوجيه الخارجية والرأى العام المحلى والعملاء.
مشروعات التكامل الاقتصادى تطبيقات متعددة لمبدأ التبادل غير المتكافىء
ثانيا : مشروعات التكامل الاقتصادى : هذه المشروعات تأتى فى أنواع وأحجام متعددة وفقا لتنوع إمكانيات ووظائف كل بلد عربى داخل المشروع الإقليمى :
1- فهناك أولا مشروعات للتكامل الاقتصادى الشامل بين إسرائيل وبلدين عربيين تخطط لإدماجهما بالكامل، من موقع التبعية، فى الاقتصاد الإسرائيلى هما مايرد من فلسطين إلى قيادات منظمة التحرير الفلسطينية والأردن . هذا النوع من التكامل، الذى يطلق عليه من قبيل التعمية خيار البنلوكس، يقترب كثيرا من الأشكال المعروفة بمناطق التجارة الحرة، وإن كان يتمايز عنه بانعدام أى شكل من أشكال التكافؤ أو التقارب فى الوزن السياسى أو الاقتصادى أو مستوى تطور القوى الإنتاجية بين إسرائيل وبين فلسطين والأردن ، وعلى قيامه على مزيج من التخطيط المفروض من الجانب الإسرائيلى واعمال قوى السوق ، تكون مهمته استكمال الحاق الاقتصاد الفلسطينى والأردني بالاقتصاد الإسرائيلى ، وأدائهما لوظيفة المعبر، ذى الوجه العربى، للاقتصاد الإسرائيلى إلى باقى البلدان العربية وخاصة بلدان الخليج
. 2- مشروعات التكامل بين مناطق قائمة على الحدود بين إسرائيل، وبين بلد عربى وأكثر مجاور لها . ومن الأمثلة الواضحة على ذلك مشروع الميناء الحر المشترك بين إيلات والعقبة، ومشروع ريفيير! البحر الأحمر الذى يضم تجمعاً يبدأ من رأس محمد فى أقصى الجنوب من الشاطىء الغربى لخليج العقبة ويمتد شمالا بطول الشاطىء ويلتف حوله ليضم- إلى جانب مصر- مناطق من إسرائيل والأردن .
لكن المشروع الأكثر دلالة على طبيعة هذا النوع من التكامل هو إقامة منطقة تسمى " أرض الأردن وحرمون " تشمل الأجزاء الشمالية من الأردن وإسرائيل والجنوبية من لبنان وسوريا، وتحويل هذه الأجزاء من قطاعات متكاملة مع الأوطان التى تتبعها ومع خطط التنمية الخاصة بها إلى "كيان اقتصادى موحد تحت إدارة مشتركة" هدفه الحقيقى هو تجاوز مشكلة إعادة هضبة الجولان وجنوب لبنان إلى أصحابهما الشرعيين والاستمرار فى إدارة هذه المنطقة ومواردها المائية وغير المائية تحت تسميات جديدة واطماع أكبر، منها أن تصبح المنطقة مركزا للنشاط الاقتصادى والصناعى، تحيط به دائرة طرفية مكونة من البلاد الأربعة المقتطعة منها : إسرائيل والأردن ولبنان وسوريا، وأخرى ثالثة من البلدان الصحراوية : السعودية وبلدان الخليج ومصر وربما العراق تؤدى وظيفة الأسواق المحتجزة لمنتجاتها !
وكما يتضح من المثال الأخير فهدف هذا النوع من "التكامل " بين المناطق الحدودية التى تتوزع من سيناء جنوبا إلى غزة فالجولان وجنوب لبنان شمالا هو العودة بطريق آخر إلى المناطق التى اضطرت إسرائيل أو قد تضطر إلى الجلاء عنها وإحلال السيطرة الاقتصادية المادية والمباشرة محل الاحتلال العسكرى ، والاستمرار فى استغلال الموارد وإمكانيات المناطق المحتلة سابقا على نحو أكثر استقرار وأمنا مما يمكن أن يحدث فى ظل الاحتلال العسكرى .
والأداة المفضلة لتحقيق هذا الهدف هى تحويل هذه المناطق إلى "مناطق حرة " مفتوحة تماما لرأس المال الأجنبى الذى تتخفى وراءه المصالح الصهيونية، والذى يترك الفتات لأصناف شتى من الرأسمالية المحلية والفئات الوسطى والصغرى التى تلهث وراءه ، وتكون مهمتها الأساسية لا المشاركة فى التخطيط أو الإدارة ولكن التمكين له والدفاع عن مصالحه أمام شعوبها واجهزتها الرسمية.
3- مشروعات التكامل النوعى أو الوظيفى : يتميز هذا النوع من التكامل بالفصل بين مراحل إنتاج السلعة الواحدة أو الخدمة الواحدة أو المجموعات المتشابهة من السلع والخدمات، بحيث تختص البلدان العربية بالمراحل الأولى من الإنتاج المعتمدة على الموارد الأولية المحلية أو العمل الرخيص المنخفض التأهيل أو التكنولوجيا البدائية أو البسيطة، وتتولى إسرائيل مراحل الإنتاج الأخيرة المتميزة عادة بالعمل الأعلى تأهيلا والتكنولوجيا المتقدمة. ويلحق بذلك أعمال التخطيط والإدارة العليا وأحيانا التمويل، وكذلك أعمال التغليف والنقل والتأمين والتسويق.
ومن قبيل ذلك (بالنسبة لمصر على سبيل المثال) إنتاج مصر للفاكهة وقيام إسرائيل بتسويقها، أو إنتاجها للغزل والنسيج وقيام إسرائيل بأعمال الصباغة وصناعات الملابس الجاهزة وتسويقها، أو تقديم مصر للموارد السياحية ومشروعات البنية التحتية المكلفة اللازمة لها، وقيام إسرائيل بإدارتها وتسويق خدماتها . وقد دخلت مصر بالفعل فى اتفاقات مع إسرائيل حول بعض هذه الأشكال من تقسيم العمل النوعى (تسويق الفاكهة) وتجرى المفاوضات (تحت ضغوط متعددة) للإتفاق على البعض الآخر.
ومن المعروف أن المراحل الأولى فى هذا النوع من تقسيم العمل الوظيفى لاتحصل- مهما عظمت تكلفتها الحقيقية - إلا على أقل القليل من القيمة النهائية للسلعة أو الخدمة، بينما تختص المراحل الأخيرة بالنسبة الأعظم من هذه القيمة ، هذا فضلا عن تحكم الطرف القريب من عمليات التسويق فى إمكانيات وفرص الطرف القائم بالإنتاج الأولى . وفى الحقيقة فإن هذا النمط من تقسيم العمل هو تكرار لنمط تقسيم العمل التقليدى (أو الكولونيالى) الذى كان قائما بين البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة وعاملا مهما من عوامل تعزيز التقدم فى جانب وتكريس التخلف فى جانب آخر.
استغلال قوة السوق بشكل انتقائي يحقق اختراق اسرائيل الاسواق العربية وسيطرتها عليها :
ثالثا : استخدام قوى السوق بشكل انتقائى : يمثل الإطلاق الأعمى غير المشروط لقوى السوق فى العلاقات الاقتصادية بين البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة الطريق الملكى الذى يعمل بشكل آلى لتعميق الاستقطاب بين التقدم والتخلف . وأصحاب الغرض أو الجاهلون بواقع الحال الذى تكشف عنه الأرقام والدراسات العلمية هم وحدهم الذين يهونون من الفوارق الضخمة بين الاقتصاد الإسرائيلى المتقدم- رغم مابه من نواقص- تكنولوجيا وتنظيميا، وبين اقتصاديات البلدان العربية الغارقة فى التخلف أيا كان مستوى ثرائها أو فقرها.
لكن الفارق الضخم فى التنظيم والتقدم العلمي والتكنولوجى بين إسرائيل والبلدان العربية لايمكن أن يلغى تماما الفارق الضخم المقابل فى الموارد المادية والبشرية بين بلد كإسرائيل محدود الحجم والموارد والسكان (حوالى 5 ر5 مليون نسمة) والبلدان العربية بمواردها المادية الهائلة وسكانها الذين يناهزون أربعين ضعف سكان إسرائيل (حوالى 220 مليون نسمة)، الأمر الذى يجعل من مجموع البلدان العربية لقمة يصعب ابتلاعها وهضمها من خلال آليات السوق وحدها. من هنا كانت أهمية عامل التخطيط (الذى تسانده أمريكا التى تعادى ايديولوجيا مبدأ التخطيط !) والذى يدخل بدرجات متفاوتة فى مشروعات بناء البنية الإقليمية ومختلف أنواع التكامل الإقليمى . لكن ذلك لاينفى احتفاظ آليات السوق بدورها التقليدى فى تكريس السيطرة والاستغلال . ويظهر ذلك بوجه خاص، لو أخذنا مصر كمثال ، بالإضافة إلى الاليات المتعددة التى سبق ذكرها، فى أمرين:
(1) الضغط المكثف الذى تمارسه الولايات المتحدة والهيئات المالية الدولية. على مصر، والذى نعتبره - فى واحد من أهم وجوهه- التمهيد الضرورى للمشروع الشرق أوسطى ، للاخذ بسياسات الخصخصة وحرية التجارة فى الداخل والخارج وفتح الأبواب على كافة مصاريعها لرأس المال الأجنبى، لا فى الدخول والاستثمار فقط فى مختلف المجالات ولكن أيضا فى شراء الأصول المصرية القائمة، فأيا كانت عيوب التخطيط والقطاع العام فى الممارسة ( وهى ليست كلها مستعصية على العلاج لو توافرت الأوضاع الملائمة ) فقد كان لهما - عند حد أدنى- فضل إقامة سياج ضد محاولات السيطرة الأجنبية- وخاصة من رأس المال الصهيوني - على الاقتصاد المصرى
تصفية ماتبقى من اجهزة الدولة الوطنية :
والولايات المتحدة تستهدف من هذه الضغوط - ضمن ماتستهدف - التصفية الكاملة لما تبقى من أجهزة الدولة الوطنية التى أقيمت فى مرحلة التحرر الوطنى السابقة، أو على الأصح تصفية ماتبقى من عناصرها، وهى تستعين لتحقيق هذا الهدف بأجزاء أخرى من هذه الأجهزة وقياداتها تشكلت فى ظل ظروف اجتماعية معينة قديمة أو حديثة، وبخلق أطر جديدة متعاونة معها ومتبنية دون تحفظ لأيديولوجيتها وأهدافها، كما تستعين بنماذج رأسمالية جديدة لاشأن لها بأى مشروع قومي ، وتسعى لتسليم هذه وتلك سلطة الدولة الكاملة وقيادة المجتمع.
(2) بخس قيمة الأصول الإنتاجية المصرية، من موارد طبيعية ورؤوس أموال عينية راكمتها الأجيال المتعاقبة وقوة عمل بشرى، وطرحها بأرخص الأثمان تحت أقدام رأس المال الأجنبى، ودون توافر القدرة على التعرف على مصدره الحقيقى والتمييز بين أنواعه المختلفة وفقا لمصالح مصر الاستراتيجية. إن الضغوط التى تمارس على مصر لتخفيض قيمة الجنيه المصرى لا هدف
حقيقي لها إلا ذلك ، ولانتيجة إيجابية يمكن أن ترجى منها . لكن ذلك واحد فقط من الآليات المطروحة. ويدخل فى عداد هذه الاليات تعديل قوانين إيجار الأراضى الزراعية وإهدار أوجه الحماية القائمة التى توفرها القوانين الحالية للعمال ضد الفصل التعسفى وتخفيض الأجور، والقضاء على ماتبقى من ضمانات ضئيلة لتوفير حد أدنى من المعيشة، وغير ذلك مما يستهدف وضع قوة العمل المصرى - فلاحين وعمالا وفئات أخرى- بأبخس الشروط ودون أى شكل من أشكال الحماية تحت رحمة رأس المال الوافد لو شاء أن يبحث فى ربوع مصر عن فرص للتكامل المشروط مع النشاط الاقتصادى الأجنبى .
بنك اقليمى لتحميل العرب تكاليف سيطرة اسرائيل على العرب :
رابعا : إقامة مجموعة متكاملة ومتعاونة من المؤسسات الاقليمية المشتركة : هذه المجموعة، التى سوف يكون النفوذ الغالب فيها للعناصر الصهيونية والأجنبية المتعاونة معها، مهمتها الإشراف على تنفيذ المشروع الشرق أوسطى والإسراع به وتوفير مستلزماته. بعبارة أخرى هى مؤسسات الوصاية على الإقليم . وقد نص على بعضها ، بل وحدد مواعيد اجتماعاتها القادمة، اعلان الدار البيضاء، وتشمل إقامة مكتب إقليمى للسياحة، وغرفة تجارية إقليمية ومجلس أعمال تابعين للقطاع الخاص لتسهيل المبادلات التجارية ، ولجنة تسيير تضم ممثلى الحكومات، لبحث آليات المتابعة، وسكرتارية تنفيذية لمساعدة لجنة التسيير، ومجموعتين يشكلهما مجلس العلاقات الخارجية الأمريكى والمنتدى الاقتصادى العالمى بسويسرا لتقوية الاتصالات بين رجال الأعمال.
لكن أهم هذه المؤسسات جميعا هو البنك الإقليمى للتنمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الذى نص إعلان الدار البيضاء على أنه سوف يتضمن " هيئات ملائمة تتولى النهوض بالحوار حول الإصلاح الاقتصادى والتعاون الإقليمى والمساعدة الفنية والتخطيط الاقتصادى على المدى البعيد"، لكن أهم وظائفه هي توفير الأموال اللازمة لتنفيذ مشروعات البنية التحتية الإقليمية الطموحة.
ويستطيع المراقب اليقظ أن يلاحظ أنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عروبة و إسلام | السمات:عروبة و إسلام
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























