العقلانية القومية والعقل الحضاري الحديث
كتبهايمنى و دارين ، في 29 يناير 2007 الساعة: 22:37 م

العقلانية القومية والعقل الحضاري الحديث
د. نديم البيطار
عندما نواجه الوسط الخارجي نتكلم عادة عن العالم الذي نعيش فية بالمفرد وكأن هذا العالم واحد. ولكن هناك ، في الواقع ، كما تدل على ذلك ممارساتنا الفكرية وتجاربنا الايديولوجية وحياتنا العامة، عوالم عديدة، منسجمة احيانا ومتناقضة احيانا اخرى ، ننظرمن زواياها ومستوياتها المختلفة الى هذا العالم او الوسط الخارجي . فهناك عالم الفيزيائي ، عالم البيولوجي ، عالم اللاهوتي، عالم السيكولوجي، عالم السوسيولوجي، عالم الفنان، عالم الفيلسوف، عالم الايديولوجي، الخ… لهذا كنا نجد أنفسنا عبر التاريخ نتطلع الى تركيب فكري يتجاوز هذه العوالم ويجمع بينها. فالعقل الانساني، مدفوعا بما يمكن تسميته بتناقضات الوضع التاريخي والوضع الانساني، كان يرى ان هذا التركيب ضروري ويجب صياغته في شكل ما، لان هذه التناقضات تدعو بوجودها ذاته، او بجدليتها نفسها، الى الكشف عن عقلانية عامة تضبطها نفسها وتتجاوزها. تركيب كهذا كان يزداد ضرورة مع حركة العالم الحديث. انسان كل عالم من هذه العوالم يركزعلى عالمه الخاص، او على زاوية خاصة فيه يتطلع منها الى هذا العالم الواحد، ولكنه في نفس الوقت يشارك مباشرة او غير مباشرة الآخرين في العوالم الاخرى في بعض الجوانب او القضايا الاساسية الواحدة التي تشغل او يمكن ان تشغل ، التي توجه او يمكن ان توجه هذه العوالم . لهذا كان العقل الحديث يسجل بوضوح هذه الحاجة الى هذا التركيب الفكري ، الى عقلانية ما تصيغ المرحلة التاريخية الحالية وتربط بين العوالم التي تشارك فيها.
هذه المنظورات المختلفة حول العالم تمثل بدائل يجب علينا الاختيار بينها، ولكن في نفس الوقت تكشف انها قد تكون متكاملة او مترابطة، ولهذا فان مسألة التركيب الفكري الذي يمكن او يجب ان يعبر عن هذا التكامل او الترابط كانت مسألة تفرض ذاتها . قضية هذه المنظورات او التركيب بينها كانت، في الواقع ، تشغل الفكر الفلسفي منذ بدايته في اليونان القديمة.
انني لا اطمح طبعا بان اقدم هنا، في بحث سريع كهذا اي تركيب من هذا النوع . ولكن ما يمكن تقديمه هو الاشارة الى منظور معين أختاره بين المنظورات التي رافقت العقل الحضاري الحديث. يحقق بما يميزه من شمولية تتسرب الى جميع جوانب هذا العقل التركيب الذي اشرت اليه. انني اختاره ليس فقط لانه يوفر مثلا متكامل الجوانب عن هذا التركيب، بل لانه يتميزبعلاقة اساسية مهمة بموضوعنا، موضوع العقلانية القومية، موضوع تكوين الهوية القومية او العقل القومي.
بما ان هذا التركيب يميزالعقل الحضاري الحديث، اي انه تركيب يمثل العقل العلمي وما وصل اليه هذا العقل من نتائج موضوعية تفرض ذاتها في جميع جوانبه، اي في دراسته للطبيعة والتاريخ والمجتمع والانسان، وحتى فكرة الله وعلاقة الانسان بها، فذلك يعني ان المفكرالذي يعالج موضوع العقلانية او الهوية القومية يجب ، ان اراد ان يكون ، علميا وجزءا من التاريخ الحديث، ان يعمل بوحيه، بالاستناد اليه وبالرجوع اليه. الدراسات التي تحقق هذا تكون بالتالي دراسات غير علمية لانها تعني آنذاك خروجا على ما وصل اليه هذا العقل.
المنظور الذي اعنيه يقول بان مفهوم السيرورة (Process) او الصيرورة (becoming) حل محل مفهوم الجوهر (Substance) في هذه العوالم التي اشرت اليها، وان القول بهذا المفهوم يفرض صورة معينة حول العقل او الهوية القومية تتناقض جذريا مع المفهوم الذى درج الفكر العربي بشكل عام على اعتماده في تحديد هذه الهوية.
عندما نحاول ادراك طبيعة العالم او الانسان، طبيعة التاريخ المجتمع او الفرد، الخ، يمكن لنا ان ندرس اساسيا أو ان نأخذ بعين الاعتبار اشياء وجواهر، الانواع المتعددة للكائنات، خصائصها الجوهرية، وعلاقاتها مع بعضها البعض الاخر، ان نظرة عامة صرفة نلقيها على معطيات التجربة تقودنا الى الاعتراف بالثنائية العميقة بين الوجود المادي والوجود العقلي . هكذا تظهر مشكلة العقل والجسد القديمة المستمرة مع الحلول المتعددة التي كانت تقدم لها. ولكن الصعوبات المربكة التي كانت تلازم تفسير علاقات العقل والجسد عندما ينظر اليهما كجوهرين قادت، كما يكتب الفيلسوف تسانوف، الى التوكيد الحديث على مفهوم ديناميكي حول الواقع (Reality) وهو توكيد اتجه اليه ايضا الفكر العلمي والفلسفي في ارضيات اخرى . الطبيعة أصبحت نتيجة هذا المفهوم كونا من السيرورات اكثرمما هي نظام من الاشياء . هذا المنظور الجديد كان يعني ان التفاسير المختلفة للطبيعة كانت تفرض أسئلة جديدة (1) .
هرقليطس قال : التغير الدائم هو الملك. فكرة هذا التغير اصبحت حقا ملك الفكر الحديث. هذا البحث يدورعلى هذه الفكرة وما يترتب عليها . فالصيرورة حلت محل الجوهر كالمقولة الرئيسية في هذا الفكر ، وذلك ابتداء من فرانسيس باكون الى برغسون وما بعد برغسون الى يومنا هذا. كلمة الصيرورة لا تشير هنا فقط الى اجوبة جديدة ومتغيرة على اسئلة اساسية دائمة ومتكررة ، او حتى الى ثورات كبيرة في عالم الفكر. انها تشير بدلا من ذلك او بالأحرى الى نموذج جديد في التفكير يتأمل في كل شيء : الانسان ، المجتمع، التاريخ، الطبيعة، الفرد، الدولة والله نفسه . ليس فقط كظاهرة تتغير بل كظاهرة تتطور باستمرار الى شيء جديد ومختلف . ان ارنست رينان أشار في الواقع ، الى طبيعة هذا التحول منذ قرن ونصف تقريبا عندما كتب بان الخطوة الجديدة الكبيرة في النقد الحديث كانت احلال مقولة الصيرورة محل مقولة الجوهر او الكينونة ، مفهوم النسبي محل مفهوم المطلق، والحركة مكان الثبات (2) . بعد ذلك بمدة قصبرة قال توماس هكسلي متكلما باسم جيل بكامله بان الميزة الاكثر وضوحا في الكون هي انه غيردائم أو غير ثابت .
تاريخ العلم الحديث يسجل زوال الجوهرية التدريجي . العالم الطبيعي يميل ، في الواقع ، الى اعتبار الانتقال الى منظور ديناميكي امرا اصبح نهائيا الى درجة يرى معها ان اية دراسة للمذاهب التقليدية القائلة بجواهر مادية او عقلية تتميز . بمجرد فائدة تاريخية او حتى اثرية فقط . الخاصة الاهم التي تميز النظرة الحديثة الى العالم كانت ما يسمى " اكتشاف الزمان " . ان مفهوم الواقع كشيء متطور باستمرار عبر الزمان اكد على الادوات بدلا من الجواهر ، على تحوليات في الزمان بدلا من جواهر في المكان (3) .
هذا الوعي للصيرورة يشكل محور ما نعنيه بالحداثة او العقل الحضاري الحديث. فالاتجاه من الجوهر الى الصيرورة، ومن الكينونة الى التحولية، الذي ازداد سرعة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين الى ان اصبح المنطلق للفكر الحديث والنموذج الفكري الذي يهيمن عليه، كان ظاهرة ترتبت على تحولات تاريخية كبيرة كالثورة الفرنسية ، الثورة الصناعية، الثورة العلمية، عقلانية عصر التنوير، الثورة التقنية في شكلها الميكانيكي وشكلها الكهربائي ، التي كان من نتائجها ايضا تفتيت البنية الاجتماعية التقليدية في اوروبا القديمة. الثورة العلمية في القرن السابع عشر انتجت ، ولا شك جوهرا خاصا بها. انها دعت الى التفكير في ضوء قوانين ثابتة لا تتغير ونماذج ميكانيكية كاملة. ولكنها غذت نوعا من العقل الهدام للاصنام التقليدية، ومنها اصنامها الخاصة بها. فالعقل العلمي القلق، المتململ دائما، الذي لا يكتفي بالحقائق الموجودة، كان يؤكد على اخضاع فرضياته نفسها الى الاختبار المستمر، وعلى ضرورة تغييرها عندما يصبح ذلك ضرورياً في ضوء أدلة جديدة . ما ينطبق على الثورة العلمية ينطبق ايضا على العقلانية التي مهدت للثورة الفرنسية واحلت العقل النقدي محل التقليد (4).
العلم او العقل الحضاري الحديث اصبح يعني في الواقع بحثا مستمرا عن الحقيقة، تنقيبا يتجاوز ذاته دون نهاية فى تفسيرالعالم ومستوياته المختلفة، رغبة في ادراك نهائي يتهرب دائما منا. العلم كما كان في الازمنة السابقة كان يمكن ان يتصور ذاته كاملا بمعنى ما لانه يتطلع الى ادراك مبادىء الواقع ، قوانين الجوهر او الكينونة. ولكن العلم الحديث هو، من حيث طبيعته نفسها ، علم متطور او في حالة تحول دائمة لا علاقة له باطروحات او فرضيات تدور حول حقائق تكاملت فأصبحت مغلقة ، او حول معنى الاشياء النهائي . انه علم يعمل نحو هدف منحسر او بعيد دائما ويجدد باستمرار الاسئلة التي يطرحها على المادة ، على الحياة ، على التاريخ والمجتمع والانسان. لهذا يمكن القول ان العلم او العقل العلمي الحديث يتميز بميزة رئيسية وهي عدم الاكتمال . هذا لا يعني طبعا ان القوانين او المعرفة التي يصل اليها او يحققها في مرحلة معينة تكون مغلوطة ولهذا فهو ناقص، بل ان ما وصل اليه متحول باستمرار، يبني على ما حققه في توسيع نطاق منجزاته الى ما لا نهاية و دون ان يطمع في اقامة نظام مغلق من القوانين الكاملة المتكاملة بشكل نهائي. لهذا يمكن القول ان العلم او العقل العلمي الحضاري الحديث اصبح يعادل تحوله او صيرورته الخاصة. انه علم يتحول باستمرار لان المعرفة التي يحققها تخضع باستمرار للأسئلة التي يطرحها. وهي أسئلة تحفز عليها باستمرار جدلية هذه المعرفة نفسها . فطالما ان الواقع يجدد فضول الباحث العلمي في الأسئلة الجديدة التي يحفز عليها، يصبح من المستحيل تصور الوصول الى علم نهائي . فالعلم يمكن ان يصبح كاملا فقط أن بلغ التطور الانساني نهايته. فالانسانية يجب ان تكون قد أستنزفت قواها وامكاناتها تماما، والانسان يجب ان يكون قد حصركل كفاءة خلاقة، والواقع يجب ان يكون قد وصل الى حالة لا تعرف اي تنافس ابدا كي يمكن لمنجزات العلم ان تكون نهائية.
***
هذا العقل العلمي الحديث الذي اشرنا الى خاصته الاساسية واضح في جميع العلوم الحديثة، ليس فقط الطبيعية، بل الانسانية ايضا. الملاحظات العابرة التالية كافية للتمثيل على ذلك.
التطلع او المطالبة بمفهوم ديناميكي حول المادة والحياة ميز التطور الاساسي لعلوم الفيزياء والبيولوجيا والكيمياء. مراجعة الاكتشافات او النتائج التقنية التي تمت في هذه الميادين تخرج ليس فقط عن نطاق هذا البحث بل عن كفاءتي العلمية. ولكن التحول الجذري الذي حدث في رؤية هذه العلوم- وبالتالي الانسان- للكون كان يتميز بأهمية فلسفية كبرى لانه غير نظرتنا الى العالم والحياة.
هنا يمكن القول ان هذه العلوم كانت حتى النصف الاخير من القرن التاسع عشرتقريبا تدرك الطبيعة كنظام من الجواهر التي تؤثر في بعضها بعضاً بطرق وعلاقات متعددة مماثلة. فعالم العلم التقليدي كان يتكون، كما عبر عن ذلك هوايتهد، من اجزاء من المادة المتحركة في المكان الذي كان فارغا…. كراسي، موائد، اجزاء صخرية، محيطات، اجسام حيوانية، اجسام نباتية، نجوم، شموس (3). البحث العلمي كان يعمل على صياغة القوانين الشاملة (Universal) التي تنظم تفاعلات هذا التعدد غير المحدد من الجواهر. التحليل العلمي اراد ايضا تحويل هذا التعدد اللانهائي الى عناصره الاساسية المكونة له.
الاتجاه الاختياري، وكذلك النظري، كان يسير ضد هذه الجوهرية في العلوم الطبيعية. والعقل او البحث العلمي المعاصر ناقض تحليل الطبيعة الى عناصرها كما كانت تدرك تقليديا، كتنوعات جوهر مادي لا يمكن تحويلها، وفرض اعادة نظرجذرية في المكانيكا الكلاسيكية. ان تفاعل الافكار الجديدة في هذه العلوم الطبيعية قاد العقل العلمي و تطبيقاته الى عتبة وما وراء عتبة عالم جديد من الاحتمالات غير المحدودة .
نظريات الفيزياء الحديثة كانت تعني ، في الواقع ، حالة تدعو الى اعادة نظرمستمرة ليس فقط في الجزئيات بل في جوانب اساسية. فعلم الصيرورات الكونية اصبح هو نفسه علما في صيرورة او تحولية. فالنصيحة كانت كما قال احد العلماء : كن على اسنعداد دائم لتغيير اي مفهوم كان (6). القرن الحالي بدأ بتقويض تدريجي لمذهب العناصرالتقليدي عندما تبين ان بعض هذه العناصر الثابتة المزعومة كانت تتعرض للتحول ، اي انها لم تكن جواهرثابتة كما كانت تقول العلوم الكلاسيكبة. الان اصبح من الصعب جدا، ان لم يكن من المستحيل ، القول بدقة ما هي المادة . فالذرات المادية خسرت المقومات التي كانت الفيزياء الكلاسيكية تعزوها للذرة ، كالشكل والحجم، والامتناع على الاتلاف الخ … هايزنبرغ تكلم عن الجسميات كشكل رياضي، اي دون جوهر او مادة، وبالتالي عدم امتلاكها حتى صفة الوجود (7). هذا نتج جزئياً عن اختزان المادة بالطاقة في الفيزياء الجديدة مما يعني ان المادة لم تكن هامدة ( Passive ) بل ناشطة. (Active) . بعض علماء الفيزياء رأوا في الواقع ان المادة تتشكل من موجات لا تملك أي وجود محدد مستقل بل هي في حالة تغير دائمة.
الداروينية سلطت مبدأ الصيرورة او النظرة التاريخية على شاشة اوسع بكثير مما كان وكانت تعني، في الواقع ، بانوراما او مشهدا تاريخيا تطوريا للكون كله، يشمل ما قبل التاريخ كما يشمل التاريخ، واللاعضوي كالطبيعة العضوية الحية. كل شيء في هذا الكون من الحركة الدائمة، يتغير باستمرار الى شيء آخر، وهو تغير يجد تفسيراً طبيعياً له (8) . الداروينية عززت المذهب الطبيعي الذي تبلور في عصر التنوير، وسجلت انتصاره في الفكر الحديث . هذا المذهب يعني فصل الطبيعة عن الله ، واخضاع الروح للمادة ، واقامة قانون ثابت كشاهد على ذلك (9) .
فكرة الصيرورة تجد معناها الاساسي كما اشرنا، في نقل اهتمامات ومشاغل العقل من الثابت الى المتحول . الداروينية تعبر عن ذلك بطريقة مثلى وكانت تجسيدا حيا رائدا له. في كتاب حول تأثير داروين على الفلسفة يكتب الفيلسوف جون ديوي :
" ان المفاهيم التي سادت فلسفة الطبيعة والمعرفة طيلة الفي عام ، المفاهيم التي كانت مألوفة كأساس للعقل ، استندت على افتراض يقول بتفوق الثابت والنهائي وعلى اعتبار التغير والنشوء كمظاهر خلل ووهم . في نقضه للثبات المطلق، ومعالجة الاشكال التي كانت تعتبركنماذج للثبات والكمال، كظواهر تنشأ وتزول ، قدم كتاب " اصل الانواع " نموذج تفكير كان يعني نهائيا تغيير منطق المعرفة وبالتالي تغيير معالجة الاخلاق والسياسة والدين " (10)
الداروينية دللت على نشوء الانواع في مجرى الحياة السحيق الممعن في القدم ، وعلى أن انواعاً متزايدة التعقيد من الكائنات تتطور وتنمو من اشكال حياة بسيطة عن طريق التكيف الملائم مع اوضاع الوسط الخارجي في الصراع لاجل البقاء . هذه النتيجة كانت تعتمد على مجموعة هائلة من الادلة التي جمعها داروين عبر ربع قرن من البحث العلمي المتواصل والصبور. البحث البيولوجي منذ داروين ضاعف بشكل ضخم معلوماته وحقائقه او معطيانه ودعم استنتاجاته الواقعية. فعلم المستحاثات ( Paleontology ) وعلم الاجنة ( Embiryology ) وعلم التشريح ا لمقارن (Comparative Anatomy) مثلا، اضافت كعلوم، اثباتات متنوعة وضخمة العدد لنظريته التطورية على المستويات السفلى من الوجود الحيواني وعلى المستويات العليا (11).
الداروينية كانت تعني، اذن، وضعية ديناميكية تحولية حلت محل الوضعية السكونية السابقة، وهيمنت الى درجة حولت النصف الثاني من القرن الماضي وما بعد الى عصرتطوري . الاخلاق نفسها اصبحت اخلاقا تطورية وفي ضوء النموذج الدارويني تحولت عن طبيعتها المطلقة، فاصبحت نسبية وتحولية، تظهر وتتغير كأداة مساعدة للانسان في صراع البقاء . هذا يعني ، كما اشار هكسلي ، ان الداروينية كانت معدة للاستخدام في خدمة نظريات اخلاقيـة واسعة الاختلاف (12) .
توماس هكسلي، الذي قال داروين عنه بأنه وكيله العام ، وصف الطبيعة كسيرورة كونية- كلمة كوني تعني هنا ان الطبيعة تشمل كل الوجود حتى وجود الانسان والاخلاق، والسيرورة تشير طبعا الى الجانب الهرقليطي والتطوري فيها . ان الصفة الاكثر وضوحا في الكون هي عدم ثباته او تحوله.. فهو يمثل سيرورة متغيرة اكثرمما يمثل كلا ثابتاً ، حيث لا يدوم فيه اي شيء سوى فيض الطاقة والنظام العقلاني الذي يسوده . فالانسان تطور من الحيوان وحتى خصائصه الفكرية والشعورية نشأت من اشكال سفلى . ليس هناك اي خط مطلق فاصل بين الانسان والحيوان (13).
الداروينية وسعت الشعور بتطور شامل يمتد الى المؤسسات والثقافات التي تخضع لتغير مستمر كالانواع البيولوجية . ولهذا كان مقدورا عليها، كما اشار عالم الاجتماع الفرنسي بوغله، أن تمد تطبيق فلسفة الصيرورة الى دراسة المؤسسات الانسانية (14).
هذا كان اهم اسهام حققته الداروينية في التفكير الاجتماعي . وبذلك عجلت كثيرا الاتجاه الذي بدأ سابقا نحو دراسة المجتمع كصيرورة بدلا من دراسته في ضوء مفهوم آلي او قبلي . انها دمجت المجتمع وكذلك الانسان مع الطبيعة التي اصبحت تعتبر الان كتحولية كونية (15).
ان فكرة التحول او مبدأ التطوركمقولة كونية دلل على خصوبته في بحوث انسانية (Humanistic) كثيرة. كلنا ندرك العمل الفكري المثمر الذي تحقق في دراسة تطور المؤسسات والانظمة الاقتصادية والاجتماعية، وتطور اللغة والفن والدين والدولة والعائلة، الخ….، هنا اشير الى عمل سلسلة طويلة من علماء الاجتماع والانتروبولوجيا الذين درسوا تحول المجتمع ككل في ضوء مبدأ التطور او الصيرورة، وذلك ابتداء من تورغو وكوندورسه في القرن الثامن عشر الى كونت وماركس ولوبس هنري مورغن ، وثايلور وفرايزر وغيرهم كثيرين من القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين ، حيث كان هذا المبدأ على الدراسات التي كانت تصنع علم الاجتماع والانتروبولوجيا. دراسة الاخلاق نفسها كانت تحدث في اطار هذا المبدأ وبالانطلاق منه كما نرى في عناوين دراسات كلاسيكية حول الموضوع كدراسة واستيرمارك اصل وتطور الفكرة الاخلاقية، ودراسة هوبهوز الاخلاق في تطورها، ودراسة سوزرلند اصل ونمو الغريزة الاخلاقية. هؤلاء وامثالهم ركزوا اهتمامهم على تطور الاخلاق التاريخي في الحياة الانسانية، ابتداء من المجتمعات البدائية الاولى، او حتى على متابعة بداية او سوابق العمل الاخلاقي في غرائز او ردود فعل السلوك الحيواني نفسه. ان فكرة التقدم الى سادت الفكر الحديث من اواخر القرن الثامن عشرحتى اوائل القرن العشرين كانت تعبر بوضوح عن هذا المبدأ - مبدأ التحول والتطور.
هذا القالب " التاريخي " للافكار كان يعني تعبيرا عن النشاطية (Activism) والصيرورة ونظرة الى الكون توحي بتاريخ كوني . كل هذا كان يدفع نحو اتجاه تاريخي للفكر، وهو استنتاج كان واضحا بالنسبة لكثيرين من المفكرين رغم مقاومة البعض له . هذه النظرة الى الكون كتاريخ كوني كانت واضحة ابتداء من فرانسيس باكون الذي ضمن مشروعه الضخم . حول اعادة بناء العلم والفلسفة سلسلة من البحوث الموسوعية التاريخية حول الطبيعة، الى جون ديوي الذي كتب انه باستثناء الرياضيات فان كل اشكال المعرفة : الكيمياء، الجيولوجيا، الفيزيولوجيا، وكذلك الانتربولوجيا والتاريخ، هي اشكال تاريخية.
دراسة هذه المواد المتنوعة او حتى نظرة عاجلة على البيبلوغرافيات المتوفرة في هذه الميادين المختلفة تدل بوضوح على الامتداد المثمر في النظرة الانسانية نتيجة تطبيق المبدأ التطوري الذي دل فيما دل عليه ان ادراكنا لاي نشاط انساني يزداد وضوحا وعمقا مع ادراكنا لتطوره التاريخي.
هذا المبدأ، مبدأ التحولية او الصيرورة الدائمة، امتد الى الفلسفة نفسها التي كانت تمثل في تاريخها انشغال الفكر بالثابت وبالجوهر، فكان واضحا بارزا فيها من الهيجلية، الى المدرسية، من الوضعية الى البرغسونية، ومن النيتشوية الى البراغماتية والوجودية. الملاحظات التالية كافية للتمثيل على ذلك.
اني اشير اولا الى لايبنتزلانه يمثل- وآخرون طبعا- الانتقال من الفكر الفلسفي الكلاسيكي الذي يقوم على مبدأ الجوهر الى الفكر الفلسفي الجديد الذي يقوم على مبدأ الصيرورة، وبالتالي فاننا نجد فيه استمرارا للاول ولكن جنبا الى جنب مع توكيد شديد على الثاني.
لايبنتز قبل ورفض في آن واحد التحليل الديكارتي للجوهرين، الجسد والعقل. انه وافق على تحديد ديكارت للعقل كجوهرمفكرلان النشاط الفكري يعبر عن خاصة العقل الاساسية. فالعقل يعني التفكير. ولكنه وجد ان تحليل ديكارت واسبينوزا للجوهر المادي كان تحليلا غير مقنع . فتحديد الجسم كامتداد في المكان كان غير ملائم . فهذا التفسير الامتدادي لوجود الجسم عبر عن ميزته العادية ولكنه لا يكشف عن هويته الاساسية. ان حبة الكستناء ، مثلا، تماثل من حيث الحجم والشكل حصاة ذات لون بني، ولكن الفرق الجذري بينهما يتجاوز تماثلهما في المكان ، ولهذا فان لايبنتز وجد باننا لا ندرك طبيعة الاجسام ان لم نكشف عن الدور النشيط (Active) المميزلكل منهما. فنحن نحتاج الى مفهوم ديناميكي حول المادة . هكذا كان المبدا الاول في فلسفة لايبنتز للطبيعة يقترن بنشاطيتها (Activism) . فالعالم يشكل نظامأ من الصيرورات، ولكن هذا النظام يتكون مما أسماه لايبنتز بالمونادات (Monads) كمراكز أو قواعد نشاطات فريدة وهويات متميزة . فكل موناد يعبر عن الكون او هذا النظام بشكل خاص .
ان نظرية المونادات تؤكد على الهوية الديناميكية للطبيعة كنظام من النشاطات، وتعترف ايضا بالفردية الفريدة التي تميزكل مركز نشيط ، او موناد. ولكن كيف يمكن وجود نظام كوني لمونادات وصفها لايبنتز بأنها دون نوافذ ؟ التفاعل السببي بينها يكون بالتالي متعذرا او حتى غير قائم، تماما كما نجده بين الجوهرين في فلسفة ديكارت . ولكن ما يمثله كل موناد بطريقته الخاصة يجب ان يطابق نهائيا ما يمثله كل موناد آخر. هذا التطابق المتبادل بين المونادات وفر الرابطة الكونية في مفهوم لايبنتز حول الطبيعة. انه اسماه مبدأ الانسجام المسبق وحاول التمثيل عليه بطرق مختلفة . فالمونادات كانت تقارن بعدد من الساعات المتزامنة. او بشكل اقل ميكانيكية بعدد من الجوقات الموسيقية التي تعزفه بانسجام شامل . نظرية الانسجام المسبق اصبحت الحجة الاساسية في لاهوت لايبنتز . فالله هو الموناد الكبير الذي يوفق بين جميع المونادات الاخرى في نظام كوني. هكذا يتبين ان فلسفة لايبنتز كانت متأرجحة بين جوهر الفكر الفلسفي الكلاسيكي وبين صيرورة الفكر الفلسفي الحديث .
هذا التأرجح ظهرفي فلسفة هيجل ايضا ولكن بدرجة اقل . ففكرة الله الذي تكلم عنه لايبنتنز- مثلا انتقلت في هذه الفلسفة الى التاريخ نفسه فاصبحت ملازمة له ومتأصلة فيه، تحقق ذاتها وتكشف عنها في حركته. ان هيجل طابق بين الواقع (Reality) ككل وبين ما اسماه بالمطلق، اي الذات العالمية او الله ، وفسركل التاريخ الانساني كتحقق تدريجي لهذا الروح المطلق ، كصيرورة يتكامل فيها هذا الروح في الواقع الذي يكشف عنه. انه اصبح هو نفسه هذه الصيرورة . التحقق الذاتي (Self-Realization) كان يشكل التقدم الروحي الاساسي وراء حركة التاريخ ككل ، ويعني التغلب على ما اسماه هيجل بالاغتراب حيث يواجه الانسان المدرك (Knowing Subject) شيئاً غير ذاته او غريبا عن ذاته (an object) . هذا التمايز او التناقض بين الذات (Subject) وبين الموضوع (Object) كان شيئاً يفترض فيه ان يزول في صيرورة او تحولية الروح العالمي الذي يحقق ذاته في العالم.
في فصل مبدأ التطور في كتاب محاضرات في فلسفة التاريخ قارن هيجل التاريخ مع الطبيعة، وكتب بان الطبيعة تعيد ذاتها دون نهاية بينما التاريخ ليس سكونياً ويتميز بالتغير الذي يفرز باستمرار الجديد، وبالتقدم نحو الكمال الذي كان لا يزال من غيرالممكن تحديد طبيعته تماما. في هذه الفلسفة نجد ايضا ان الروح العالمي يجد ذاته تاريخيا في الخاص اي في روح الامة. الفكرة الاساسية كانت التطور او الصيرورة التاريخية، ولكن هيجل اكد ايضا ان كل مرحلة في تاريخ اية ثقافة او امة تتميز بهوية خاصة بها كمرحلة في التطور مما تقدم عليها الى ما يتبعها.
مبدأ التحولية- الصيرورة او المنظور التاريخي التطوري لقح واخصب، كما اشرنا سابقا، كل فرع من فروع المعرفة تقريبا ومنها اللاهوت ، والاخلاق ، والفلسفة الاجتماعية ، وتتوج في نسبية متكاملة تجاسرت على ان تهاجم حتى قلعة الذات الداخلية. كما نجد في فلسفة برغسون . فعلى الرغم من ان برغسون مزج بين الجوهر والصيرورة بطريقته الخاصة ، فانه كان في الواقع فيلسوف الصيرورة الامثل . انه يكتب في " التطور الخلاق " :
" انني اجد قبل كل شيء انني امر من حالة الى حالة… انني اتغير، اذن، دون انقطاع . ولكن هذا لا يقول ما فيه الكفاية . فالتغير هو اكثر جذرية مما نفترض في البداية لانني اتكلم عن كل حالة من حالاتي وكأنها تشكل قالبا منفصلا عن الكل … الحقيقة هي اننا نتغير دون انقطاع وان الحالة نفسها ليست سوى تغيره " (16) .
اما من حيث تفسير برغسون للطبيعة، فان هذا التفسير يتميز بالتنبيه الى ما اسماه بالتغير- الفيض (Flowing change) و ينتقد العلوم والفلسفات السابقة بسبب فشلها في الاعتراف الضروري بالوجود كجريان او تيار صحيح دائم الفيض . انه اعترض على التفسير الخاطىء للزمان الحقيقي كتعاقب للحظات وامتدادات منفصلة وكشف – في قناعته – عن النظرة الخاطئة الى مجرى الوجود كسلسلة من الاحداث ودعا الى الاعتراف بالوعي الخلاق الحقيقي وتيار الواقع الحيوي (living stream of reality) ضد النظرة الآلية حول الطبيعة كشىء محتوم في كل جزء وضد الغاية المنظمة في تخطيط الهي . فالواقع نشاط حيوي في فيض اوجريان متغير دائما وفريد دائما. فليس هناك من اشياء، بل هناك فقط اعمال او صيرورة . وعلى الرغم من السمات الخاصة التي تميز فلسفته فان برغسون يلتقي ، في تشديده على حقيقة الصيرورات الحية الفريدة مع ما يسمى في البيولوجيا بنظرية التطور الطارىء التي يقول بها علماء من امثال مورغن الكسندر، ودرسين، من الذين رأوا بان النظرية الآلية غير ملائمة في البيولوجيا.
اما هوايتهد الذي قيل فيه بانه فيلسوف التحولية (Process) فان نظريته الكونية تعني او هي بالاحرى نشاطية اساسية . فهو يكتب ان العالم الواقعي هو تحولية ، والتحولية هي صيرورة الكيانات (Entities) الواقعية… الكيفية التي يصير بها الكيان تشكل ما هو هذا الكيان الفعلي…. ان كينونته تتكون من صيرورته. هذا هو مبدأ التحولية (17) . مفهوم المادة كطاقة، كنشاط- بالاضافة الى الاهمية الجديدة المعطاة للزمان ، اقنع هوايتهد نهائيا بان التحولية كانت في قلب الطبيعة.
بدلأ من النظرة التقليدية الى العالم كنظام من الجواهرالمادية او العقلية اكد هوايتهد على نظرة ديناميكية الى العالم، وكان في تحديده للطبيعة كتحولية ، يلتقي مع جميع الذين قالوا بمفهوم ديناميكي حول الطبيعة كنقيض لاي مفهوم سكوني اخر. فالواقع الحقيقي كما راه هو التحولية نفسها. انه يؤكد، من ناحية اخرى، بأننا ان اردنا ان نعطي هوية الواقع الاساسية حقها كتحولية خلاقة دائمة وجب علينا ان نرفض الثنائية التقليدية بين الآلية والغائية، فهذه الثنائية مصطنعة، والآلية السببية والغائية ليستا مقولتين متناقضتين، ولا تشيران الى انقسام كوني نهائي فالآلية تستطيع ويجب ان تكون حية تماما والاثنتان يجب ان تعبرا في الكوسمولوجيا عن جانبين في الطبيعة يميزان الوجود كله، وان كنا نؤكد في منظورات مختلفة مرة على اهمية الواحدة ومرة اخرى على اهمية الثانية.
***
مفهوم الصيرورة انتقل من الفلسفة الى اللاهوت، والنظريات الدينية ولم يقف حتى امام فكرة الله نفسها فدخل اليها وحولها الى صورته.
النظرة التاريخية او المبدأ التاريخي التطوري علم الانسان ان يفكر حول الاديان كظواهرتاريخية ملائمة لزمان ومكان معينين . ولكن بما ان الاوضاع الاجتماعية التاريخية تنمو وتتحول ، فانها تصبح بعد درجة معينة من التطور كبيرة على هذه الاديان فتتجاوزها، مما يعني زوالها.
الانتروبولوجي الكبيرجايمس فرايزر كان يتكلم بلسان مجموعة كبيرة من علماء الانتروبولوجيا وعلم الاجتماع عندما دلل على ان الدين خسر قاعدته في التاريخ- على الاقل التاريخ الحديث. فالدين كما يقول وجد قاعدته كالسحر في محاولة تفسير الطبيعة والسيطرة عليها . ولكن كما ان الدين ابطل عمل السحر، كذلك ايضا سيبطل العلم عمل الدين لانه سيوفرما يحتاج إليه الانسان من تفسير للطبيعة وسيطرة عليها. ان فرايزر رأى في ضوء المبدأ التاريخي التطوري ان الدين ليس نظاما من المطلقات ، او تعبيرا عن حقيقة نهائية ثابتة ، بل هو ظاهرة زمانية ترتبط بوضع المعرفة في زمان معين اوطور محدود من التاريخ . ما ينطبق على الدين ينطبق طبعا على الاخلاق التي ترتبط به او على الاخلاق في ذاتها . فالمفهوم القديم القائل بان مبادىء الخير والشر ثابتة وخالدة اصبح كما كتب ، مفهوما لا يمكن الدفاع عنه او الاحتفاظ به . فالعالم الاخلاقي كعالم الدين او عالم الطبيعة عالم لا يمكن اعفاؤه من قانون الصيرورة الدائمة ، من قانون التحول الذي لا يقف.
هناك مفاهيم عديدة انطلقت من هذا التفسير الذي يعكس مبدأ الصيرورة او المبدأ التاريخي التطوري . هنا اكتفي بالاشارة الى مفهومين فقط ولكنهما يعبران بوضوح جميل عنه . الاول قال به اوغست كونت، والثاني قال به بول تيليك ، احد كبار رجالات الفكر اللاهوتي في القرن العشرين . ففي ما اسماه بدين الانسانية العلماني الذي اراد الدعوة له ، تكلم كونت عن الكائن الكبير (ما يعادل فكرة الله في الاديان التقليدية) اي الانسانية التي اراد كونت منا أن نتجه اليها ونحبها. هذه الانسانية تتجسد وتعبر عن ذاتها في احسن ما خلقه الانسان من انتاج علمي فلسفي واخلاقي . فتجميد الانسانية يكون اذن بتمجيد المسؤولين عن هذا الانتاج والذين كرسوا طاقاتهم وجهودهم و حياتهم في خدمتها . فالانسانية هي الاله الجديد المتطور الذي تجاوز فيه الانسان الآلهة السابقة التي اصبحت غير قادرة على استيعاب وضبط الاوضاع الجديدة - بكلمة اخرى ، هي ما يتجاوز الانسان في الانسان . ما يطلب كونت منا عبادته بدلا من الله الثابت الكامل والخالد هو هذه الانسانية المتجاوزة لذاتها ، الانسانية التي تجدد ذاتها في المنجزات والممارسات التي تتجاوز فيها ذاتها. ما يريد كونت منا "عبادته " ليس ذلك او هذا المجتمع، ليس ذلك او هذا الكائن ، بل انسانية الانسان ذاتها، انسانية الانسان المتطورة ، التي تعني تجاوز الانسان لحدوده ، والتي عبرت عن ذاتها في افراد استطاعوا تحقيق هذا التجاوز في اشكال ايجابية، اي مفيدة ، في خدمة هذه الانسانية.
اما مفهوم بول تيليك، فانه يحدد اشكال الثورة او التمرد بأنها تمرد ضد الله باسم الله . ما يعنيه هومنعطفات تاريخية كبيرة يكون الانسان قد حقق فيها درجة جديدة من النضوج الفكري الاخلاقي لا تتلاءم مع فكرة الله أو الالهة السابقة ، او بكلمة اخرى ، يكون الانسان قد تجاوز فيها ذاته الى مستوى فكري اخلاقي جديد اصبح يفترض مفهوما دينيا اعلى من المفهوم السابق ، فيتمرد على هذا الاخير بامم المفهوم الجديد.
مفهوم الصيرورة او المبدأ التاريخي التطوري كان ايضا المفهوم الذي انطلق منه اللاهوت المسمى بـ " لاهوت التحولية " (Process-theology) او لاهوت المحدودية اللاهوتية. (theological-finitism) وهو لاهوت يتميز جذريا عن اللاهوت التوماوي التقليدي او المحدث وغيره من مدارس لاهوتية تقليدية اخرى .
انني اشير، كمثل على ذلك، الى لاهوت بيار تايلارد دي شاردين، اليسوعي المتأثر بالبرغسونية، الذي صاغ هذا اللاهوت من منطلق تاريخي تطوري . في هذا اللاهوت، او الدين الجديد كما اسماه في بعض الاحيان ، اصبح المسيح الكائن المطور، الضامن لصعود الطين البدائي الى الحياة والوعي، وهو صعود سيكشف نهائيا عن انسانية عليا ، أو مسيح كامل . فالمسيح كان في نفس الوقت مشاركا في هذه التحولية التاريخية ومحركا لها. انه يقول كان يجب ان تكون هناك مبادرة الهية، ولكن كان هناك ايضا ما يدعو الى القول بان المسيح او الله لم يكن كاملا بعد، او ان كماله كان يمكن ان يتكامل في مجرى التطور. السكولاستيون لم يقولوا اذن الكلمة النهائية عندما وصفوا الله كالكينونة في ذاتها لان الكينونة حققت كمالا اضافيا عندما طورت الانسانية وعيا اعلى وانجذبت الى الاتحاد بالله . وقد كتب شاردين في اواخر حياته، وبطريقة هيجلية، بأن ما حقن المسيحية بالحياة كان شعور بالتكامل المشترك بين العالم والله . هكذا يتضح ان التايلاردية تمثل مفهوما تطوريا صرفا حيث حلت الصيرورة مكان الكينونة، وزال كل مفهوم عن أي جوهر او طبيعة ثابتة (18).
رد التوماوبة المحدثة على هذه المسيحية المحدثة كان متوقعا. جاك ماريتان نبذها كنتاج ترتب على ما اسماه بخطيئة الفكر، كلاهوت وهم (19).
الفيلسوف وعالم الفيزياء صمويل الكسندر يكتب بان الله هو كل كائن يملك الالوهية، التي يحددها كالمستوى القادم من الكمال الذي يناضل الكون في سبيله. الله ، كما يمكن القول ايضا، هو الكون كله المشغول بتحولية تتجه نحو ظهور هذه الألوهية الجديدة . في اي حال، ان الله في مفهومه ليس خالقا بل مخلوقا ومتطورأ مع تطور العالم . فالله هو نتيجة حركة العالم وجهود الكائنات الانسانية. الله ليس الذي يسمح بالصراع ، بل الصراع هو الذي يحدد مايكون عليه الله (20).
هوايتهد انتقد ايضا بشدة فكرة اله سكوني وامبربالي، ينفصل عن عالم الطبيعة ويشرف عليه. انه في البداية رأى ان الله يتميز بطبيعة على طريقة ارسطو او افلاطون ، ولكنه يتميزايضا بجانب آخريحوله الى جزء من الطبيعة، متساوق معها . هوايتهد كان يزداد مع الوقت توكيدا لهذا الجانب. ففي طبيعته المتساوية مع الطبيعة- او التي تنتج عنها- نجد أن الله يتأثر بالأوضاع الزمانية ويشارك في كل تقدم خلاق جديد في العالم . هكذا يؤثر العالم فيه ويغني بحريته، وبالتالي يمكن القول انه مثل العالم نهائي وفي صيرورة.
في اواخر حياته اشار هوايتهد ان اللاهوت المسيحي كان كارثة في محاولته طرد كل بدعة وصياغة حقيقة للزمان كله. فقد كان من الخطأ تصور الله كخالق للعالم من الخارج . انه يكتب :
" الله موجود في العالم او لا يكون في اي مكان وهو يخلق باستمرار فينا وحولنا… ولكن هذا الخلق هو تحولية مستمرة ، والتحولية في ذات الواقع الفعلي وبقدر ما يشارك الانسان في هذه التحولية الخلاقة يشارك في الالهي، ان قدره الحقيقي في الكون ، كخالق اخرمع الله ، يمثل كرامته وعظمته " (21).
على الرغم من ان دعاة هذا اللاهوت (التحولية) أنكروا اشكال اللاهوت او الايمان التقليدية فانهم احتفظوا بفكرة الله- بعد اعادة تحديدها طبعا- في مذاهبهم ولكن في اعقاب ذلك ظهرسريعا لاهوت آخر اخذ يناقش ليس الكيفية التي يمكن بها الكلام عن الله ، بل ان كان من الممكن حتى الكلام عن الله في هذا العصرالعلماني . ففكرة الله أكملت دورتها ووصلت الى نهايتها وانتهت الى الموت في هذا اللاهوت الذي تكامل فيه مفهوم الصيرورة.
ديتريخ بونهوفركان اللاهوتي المحرك لهذا اللاهوت " الثوري ". آخرون اقل جذرية، من امثال كارل بارث، رودولف بولتمان، بول تيليك، مهدوا الطريق امامه، ولكن بونهوفر نقل ذلك الى صعيد جديد اعلن في الواقع ، عن لاهوت يقول " بمسيحية لا دينية" ويعترف بالارتداد الكبير عن فكرة اله ويعبر ليس فقط عن موت الدين، بل موت الله نفسه في انسان العصر الحديث. فالحركة العلمانية التي يعتقد انها بدأت منذ سبعمائة سنة، في القرن الثالث عشر نفسه، حققت حاليا نوعا من التكامل . فالانسان تعلم معالجة جميع القضايا المهمة دون رجوع الى الله كفرضية عملية. ففي القضايا التي تتعلق بالعلم ، والفن، وحتى الاخلاق اصبح هذا امرا لا يتجاسر احد على الطعن به (22).
هذه الفكرة، فكرة موت الله ، تقدمت في الواقع ، على هذا اللاهوت ووجدت من يقول بها في القرن التاسع عشر. فعبر عنها نيتشه بوضوح في كتاب "الحكمة المبهجة" وكذلك ايضا كياركجارد، وان كان بطريقة ضمنية. وهناك طبعا الوجودية الملحدة ايضا التي اعلنت عن ذلك في هذا القرن .
ان نحن انتقلنا اخيرا الى الذات الفردية، نجد ايضا ان العقل العلمي او الحضاري الحديث يفسرها في ضوء مفهوم الصيرورة . فهذه الذات ليست ماهية ثابتة ، ولا تعبر عن جوهر يفرض ذاته، بل صيرورة تنتج عن العلاقات التي تربط بين الفرد وبين الاوضاع الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي يتفاعل معها. فالذات في الواقع تحولية او صيرورة ، والانسان لا يملك طبيعة بل تاريخا. ان وعي الذات لذاتها كان دائما وعيا نشيطا (Active) والذات هي تجربتها. ولهذا كان من الطبيعي للعقل العلمي الحديث ان يدركها ويفكر حولها كصيرورة . "الجوهريون " انفسهم حددوا العقل كجوهرمفكر، مما يعني في الواقع ، كجوهر يتميز بنشاطه ، بعمله، وهذا يعني بدوره ان العقل نفسه صيرورة اوتحولية.
***
هذه الجولة السريعة في مختلف ميادين العقل العلمي او الحضاري الحديث تدل بوضوح على سيطرة مفهوم الصيرورة أو التحولية عليها كلها . هذا يعني بالنسبة لموضوعنا، موضوع العقلانية او الهوية القومية ، ان هذه العقلانية او الهوية تعبر هي الاخرى عن هذه الصيرورة، انها هي نفسها هذه الصيرورة.
اننا لا نستطيع ادراك هذه العقلانية او الهوية عن طريق الاستبطان (Introspection) على طريقة بعض علماء النفس ، او طريق التحليل التأملي (Reflexive) على طريقة كانط. هذا الادراك يعني الرجوع الى ممارساتها وما حققته في مختلف المستويات، والى النماذج الفكرية والثقافية والايديولوجية التي تعبر عنها. تحليل هذه الممارسات والنماذج هو الذي يسمح لنا بتحويرها وتحديد امكاناتها، ولكن ليس بشكل مطلق بل في ضوء المرحلة التاريخية التي تتفاعل معها، هنا تكون سوسيولوجيا المعرفة اكثرفائدة لنا من اي شيء آخرفي تحقيق هذا التحليل او هذا التحديد.
لهذا كانت المحاولات التي تعودنا عليها في الفكر العربي والتي تعمل على اعطاء العقل العربي او الهوية القومية العربية ماهية ثابتة تفرض ذاتها ابتداء من الجاهلية الى يومنا هذا ، او جوهرا معينا يكون هذه الهوية فتكون هذه الهوية تعبيرا عنه- ان هذه المحاولات المتتابعة تتناقض مع العقل الحضاري الحديث، وهي مختلفة جذريا عنه. النتائج التي وصل اليها هذا العقل لم تكن نتائج اعتباطية بل نتائج ترتيب على عقل علمي منظم يقف وراء جميع منجزات الحضارة الحديثة . لهذا فان محاولات كهذه ليست فقط غير علمية بل تخرج صاحبها من العصر الحديث وحتى من حق الانتماء اليه.
المجال لا يتسع طبعا لاي عرض او تحليل للاسباب والادلة التي تكشف عن اللاعلمية او الاعتباطية الفكرية التي تميز محاولات كهذه تعبر عن اشكال هي اشكال ميتافيزيقية . ولكنني في كتاب "حدود الهوية القومية : نقد عام " عرضت هذه الاسباب والادلة التي تدل ان ما اسميته وحددته كمفهوم ميتافيزيقي في تحديد الهوية او العقل القومي هو مفهوم خاطىء جدا، وان التجارب التاريخية تكشف بوضوح بارز عن ذلك. القارىء الذي ينشغل بالموضوع ويود التعمق فيه يستطيع الرجوع الى هذا الكتاب .
***
هوامش
1- Tsanoff Radoslav ; worlds to Know 1962 . p . 4
2- Renan , E : Avovos et l , Averrisme . 1852
Tsanoff : op . cit pp : 19- 20
3- هنا يجب التنبيه الى ان هذا التحول الجذري في النظرة الاساسية الى العالم قد يكون واضحا جدا بالنسبة للعالم الطبيعي او الباحث العلمي ، ولكن المفهوم السابق لا يزال مستمراً ، يفرض ذاته في تفكيرنا العام غير العلمي . حتى العقول المختصة لم تتجاوزه تماماً . فعلى الرغم من التخلي عنه تقنيا في اعادة النظر التي حدثت في النظرية الطبيعية العلمية فإنه لا يزال يلون نظرتنا العامة الى الطبيعة
Tsanoff : op . at pp 19-20
4- Baumer , Franklin : Modern European Thought . Continuity and change in Ideas , 1600-1950 , 1977 pp . 20-23
5- Whitehead : Mods of Thoughts 1938 , p. 174
6- H . A . Wilson : the mysteries of the Atom , 1934 . p . 109
7- Hisenberg Werner : Physics and Philosophy , 1962 p . 60
8- Baumer , F, op Cit p . 356
9- Ward , James , : Naturalism and Agnoshcism , 1988 Vol . I pp . 185- 186
10- Dewey , John , The Influence of Darwin on Philosophy 1910 , pp 1-2
11- Tsanoff , R , Op Cit , p . 70
12- Baumer , F , Op Cit , p . 357
13- J . H . Huxley : Evolution and Ethics , 1893
J . H . Huxley : Man , s Place in Nature , 1863
14- Bougie , C , Darwin a
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عروبة و إسلام | السمات:عروبة و إسلام
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 30th, 2007 at 30 يناير 2007 11:59 ص
السلا عليكم:
أشكرك على نشر هذا التحليل الموضوعي المفيد، و أضيف :
القومية لا تتناقض مع الدين الاسلامي، فما القومية الا فكر يزكي لغته و يحصنها، و يتغيا وقاية امتدادها الجغرافي، لأن قضية الدفاع عن الهوية اللغوية فرض أخلاقي ثقيل لا يتأتى دون حماية المنطقة الجغرافية لهذه اللغة من التسربات التخريبية الأجنبية.
و أنبهكما سيدتاي الفاضلتان الى ضرورة تذييل المقالات المسترسلة، بخلاصة تعرض الفكرة النواتية و تبسطها على شاكلة أطروحة للمناقشة و المعالجة.
دعائي بالتوفيق.
يناير 30th, 2007 at 30 يناير 2007 12:47 م
الأخ العزيز / هشام
شكرا لك على تفاعلك و مشاركتك
أما عن تنبيهك .. فهو بالفعل مهم و ضرورى .. بيد أن هدف هذه المدونة هو التعامل مباشرة مع النصوص كما هى .. و يأتى التفاعل و الحوار على النص كاشفا ، موضحا ، مبسطا .
و نرجو منك المساهمة معنا فى ذلك
دمت للأمة فى خندق المقاومة .. متفاعلا ، معلقا ، مشاركا ، مبسطا ، موضحا
يناير 30th, 2007 at 30 يناير 2007 4:07 م
من دراسة التاريخ المعاصر نجد ان الحركات القومية كانت اشد أعداء الحركات الدينية والفكر الديني ..وكما حدث في مصر حينما اعدم عبد الناصر الزعيم الاخواني سيد قطب …وفي سوريا ..قام حزب البعث بقصف حماة والاخوان المسلمين بالمدفعية الثقيلة …وفي العراق قام صدام حسين باعدام المئات من المراجع الاسلامية الدينية …ولا يزال الحال على ما سبق …
د.سعد الطائي
يناير 30th, 2007 at 30 يناير 2007 5:12 م
الأخ العزبز / د. سعد الطائى
التقليب فى أوراق الماضى بعد تجاوز عقباتها الكؤود ليس فى صالح الأمة
كل تيارات و مدارس الأمة أخطأت ، و بلا استثناء وحيد
كما راجع التيار القومى بمختلف قواه نفسه ، و نقد ذاتيا حركته
و نشرت نتائج نقده هذه فى كتب سيارة
و كما نقد التيار الاسلامى نفسه ذاتيا ،
و نشر ذلك فى كتاب هام و هو ” الحركة الاسلامية ، أوراق فى النقد الذاتى ”
ثم دارت دورة الزمن
حتى وصلنا الى صيغة المؤتمر القومى الاسلامى
و هى صيغة توافقت على ما أجمعت عليه الأمة عبر تاريخها ، و ليس فقط ما توافق عليه التيارين الرئيسين فى الأمة
يا أستاذنا العزيز
تعالى معنا
يدا بيد
نعمق وحدة تيارات الأمة
ننشر ما أتفقت عليه
نفضح العدو المشترك و مشروعه للتفتيت الطائفى و المذهبى و السياسى للأمة
ذلك أجدى
ذلك أحسن صنعا من تقليب أوراق ، لم تعيد قيادات و رموز القوى تعيرها إعتبارا بعد أن وعى الجميع الدرس
دمت لنا
و للأمة
فى خندق المقاومة