
قيام المقاومة
تباشير من أجل فلسفة المستقبل
زهير الخويلدي
"الأنا تضع نفسها حين تقاوم" [فخته][1]
"فأينما توجد سلطة توجد مقاومة " [فوكو][2]
إذا كان غرضنا هو صنع المستقبل والتشجيع على الصبر والوعي والإبداع والدفاع عن حق الأمة في الوجود بالاستماتة والاستثبات فانه من اللازم أن تكون فلسفتنا المنبعثة من ركام القرون الوسطى وحطام الاستبداد ورحم الاستعمار فلسفة مقاومة ونظرية في الثورة والنضال تتقن لعبة السياسة وتضع يدها على سياسة اللعبة العالمية وذلك بالاقتدار على الجمع بين حنكة السياسيين وأخلاق العلماء وشجاعة المحاربين من المدافعين عن الكرامة وكذلك بإعادة تعريف السياسة تعريف راشدا والتوجه على التو نحو الممارسة والفعل من أجل تحرير الأرض وصون العرض والذب عن الأوطان.
ما يسترعي الانتباه أنه قد شاع رأي فاسد حول المقاومة مفاده أنها مجرد رد فعل ورجع صدى، فسلطة الاحتلال هي الوجه والفعل والمقاومة هي القفا والشكل الأقصى للانفعال،وبالتالي نعثر على تسلط وتوسع لإرادة الطغيان من جهة يقابله رفض وعصيان وتمرد على هذه السلطة الغاشمة من جهة أخرى.
على هذا النحو يزعم مروجو هذه الدعوى أن المقاومة تشكل بالنسبة للسيطرة الاستعمارية الامبريالية والتوسع الاستيطاني الصهيوني وجهها الآخر المنفعل على الدوام والمعرض للهزيمة اللامتناهية ومعنى ذلك أن مجهود المقاومين ليس بالضرورة سيكلل بالنجاح حتى وإن توفرت فيه مجموعة من الشروط والمبادئ.
وقد عزز أصحاب هذا الرأي موقفهم بمجموعة من الحجج والبراهين التاريخية والفكرية مثل:
- نهاية التاريخ وموت الآلهة.
- ميلاد الإنسان الأخير وخلع الفرد الواعي من عرشه وتبعيته لللاوعي.
- لا نقدر على الإفلات من قبضة العولمة الاختراقية، فالعالم أصبح قرية صغيرة.
- لا وجود لخارج مطلق بالنسبة للسلطة وحتى المقاومة لابد أن تكون من داخل هذه السلطة ومن
أجل إكسابها المزيد من المشروعية.
- الاستعمار هو مكر العقل الكلي على مسرح التاريخ وهو المكر الذي لا راد له.
- دخول عصر إمبراطوري يتميز بانتكاسة مفهوم الدولة الأمة وسطوع نجم اللاوطنية الجذرية وانتشار إيديولوجيا ما بعد القومية.
فهل يعقل ألا تقوم مقاومة من طرف أمة تتعرض للعدوان وتستهدف بناها التحتية من طرف الاستعمار؟ من ينهي سلطة الاحتلال؟ هل هو الضحية الذي وقع عليه الفعل بإيمانه بحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها وبإيمانه بحقه المشروع في المقاومة أم الجلاد المعتدي عندما يوبخه ضميره يستيقظ فيه صوت الروح ويعود إلى رشده ويستعيد ما في جبلته من إنسانية؟
لماذا تريد الامبريالية وربيبتها الصهيونية أن تربط اسم المقاومة لدينا بتهمة الإرهاب؟
أليس الإرهاب مجرد كلمة اخترعتها الفئات المسيطرة من أجل الهيمنة على الآخرين؟
هل نتنصل من المقاومة كي لا نتهم بالإرهاب أم ينبغي الإشادة بها وإسنادها بالفلسفة التي تنقصها؟
ولكن أليس من اللائق بالنسبة الينا أن نعلن دون مواربة ولا تردد أنه: حيث تكون سلطة استعمارية استيطانية تقوم مقاومة وصمود وتصدي؟
ما يجدر ملاحظته هو اقتران خطر الاستعمار بقيام نقاط مقاومة كثيرة تناهض هذه العولمة وتقوض أركان المعتدين وتكيل لهم الصاع صاعين ويحركها المبدأ الحقوقي الكوني: العين بالعين والسن بالسن والبادء أظلم، وتلعب نقط المقاومة هذه في العلاقات السلطوية الدولية دور الخصم والهدف والدعامة والمتكأ وتؤدي مهمة الدليل والمرشد والسند الشرعي والسبب الموضوعي للشعوب المضطهدة والمظلومة، ترفض منطق الغطرسة وتحاول فرض قوة المنطق وترى أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، تفكك علاقات المصلحة والهيمنة وتستبدلها بعلاقات التعايش وحسن الجوار وأخلاق الضيافة على أساس احترام متبادل وإنصاف.
اللافت للنظر أن المقاومة ليست خديعة أو وعد لا ينبغي أن يوفى به بل هي ترتسم كالمقابل العنيد الذي لا يمحي للاحتلال وتشكل الطرف النقيض في علاقات الهيمنة والقوة الضاربة للذين اغتصبت ديارهم واكتووا بنار العولمة الملتهبة. إذ يقول روجي غارودي في هذا السياق:
"لم تنجح إرشادات الكنيسة والثورات الاقتصادية والسياسية في تغيير الإنسان والعالم فقد مر مبشرون سماويون عاجزون وثوار كثر أرادوا تغيير كل شيء إلا أنفسهم ويجب أخيرا تصور ما بعد العصرية. العصرية تقوم على الظن بان العلم والتقنية هما معيارا التقدم الوحيدين (…)
نحن نعيش تحت احتلال جديد احتلال غريب بالنسبة للإنسان: انه احتلال وسائل الإعلان والتلفزيون. يجب تنظيم شبكات مقاومة لللامعنى وتحويل جهود كل الذين يريدون أن يكون لحياتهم معنى. حياتهم كلها: العمل، الانتاج، الخلق، الفنون."[3]
والحق أنه لا توجد مقاومة واحدة بل عدة مقاومات:
1- هناك المقاومات الممكنة التلقائية المنعزلة والمستكينة والميالة إلى الصلح والمتضاربة وهي المقاومات السلمية الهادئة الثقافية والاجتماعية والسياسية(المعارضة) بالمشاركة من خلال الهوية السردية في صنع العالمية.
2- وهناك المقاومات الضرورية المشروعة، غير المحتملة والعنيفة في نظر الدوائر الأجنبية والهادفة إلى مصلحة محددة سلفا وهي طرد الاحتلال ومناهضة العولمة بكل ما أعدت لها من قوة.
نقط المقاومة هذه حاضرة في كل مكان من شبكة السلطة الغازية، فلا وجود لمثلث واحد للموت أو مكان وحيد منعزل رافض لتواجد الأجنبي هو مكان التمرد المطلق وإنما روح الصمود متغلغلة في كل الأنفس وبوصلة المقاومة تمثل المعين الذي لا ينضب للانتفاضة، تهذب جميع التمردات وتجعل أشكال النزاعات توطئة من أجل ثورة شاملة.
ثمة مقاومات الآن في الحضارة المهددة بالاندثار لحظة القطيعة الكارثية وليس مجرد مقاومة واحدة، إنها حالات واستراتيجيات تنتمي إلى أنواع كثيرة وتقوم بها أطياف عديدة ولا تتوخى أسلوبا واحدا ولا تتبع منهجا مشتركا بل إنها لا تمتلك هدفا بعينه لوجودها فهي تتحرك فوق برك من الوحل وأراضي ملغمة وتقطن فوق حقل من القوى المتصارعة والمتحركة.
يقول ادغر موران :
« Pire، il est possible qu’une nouvelle grande barbarie déferle et qu’il nous faille abandonner tout espoir d’hypercomplexité. Mais، même alors، amour fraternel، intelligence consciente، là où ils seront à l’œuvre، constitueront non seulement la véritable résistance، mais le resourcement et le recours permanent dans la lutte interminable contre la cruauté. »[4]
لكن ماذا تعني بالنسبة إلينا في الحضارة العربية الإسلامية " فلسفة المقاومة "؟
ما المقصود بقيام المقاومة من وجهة نظر عربية إسلامية؟
إذا عدنا إلى لسان العرب نجد المصطلحات والدلالات التالية:
- المقاومة إقامة أي سكن ومرابطة ومكوث دون مبارحة مهما كانت الضغوط.
- المقاومة هي من صنع قوم أي أمة وملة وجماعة للدفاع عن حقها في الحياة.
- المقاومة تنطلق من مقام أي أرض وإقليم ووطن تصون سيادته من كل انتهاك.
-المقاومة هي فعل قيام أي نهوض وحركة وهبة واحدة للجسد الواحد ضد الرضوخ و الاستسلام.
- المقاومة هي استقبال للقيامة أي البعث والمعاد والنشور بالخروج من الجحود إلى الشهود.
نحصل عن النتيجة التالية: "المقاومة هي إقامة قوم في مقام من أجل القيام ليوم القيامة".
من هو المقاوم؟ و بعبارة أخرى من ذا الذي يستحق اسم المقاوم؟
كلنا نقاوم وليس هناك استثناء في فعل المقاومة وكل متخل هو مقعد ولا ينتسب إلى هذه الأمة إلا من الواجهة الخلفية، والمقاوم هو الإنسان الحر حرية فردية مطلقة الذي يعمل من أجل دنياه وآخرته ومن أجل مقامه وقومه وهو الذي استطاع أن يعيد وحدة الفكر والقول والعمل إلى بنية شخصيته فأصبح يفكر كما يريد و يقول ما يفكر فيه ويعمل كما يقول ثم لا تكون عاقبة عمله غير الخير والمنفعة للناس والبر بهم. اذ " تقتضي ثقافة المقاومة التوحيد بين المستويين، القول والعمل، الفكر والوجدان، الداخل والخارج، من أجل توحيد شخصية المقاوم وتوحيد طاقاته فيصبح كالسيف القادر على القطع دون أن ينكسر الحد."[5]
لكن نقاوم بماذا؟ ماهي أدوات المقاومة؟
الجهاد والكفاح والثورة من أجل التحرير والاستقلال.
الإصلاح والمعارضة الراديكالية من أجل التنمية والتجديد والتوحد.
الثورة الثقافية والفكرية من أجل التحضر والإبداع والتطوير.
إن المقاومة عمل متكامل يقترن فيه القلم بالسيف ويشترك أثناءه الدعاء باللسان مع العمل بالجوارح والتصديق بالقلب ويرتبط عنده التضحية بالمال بالمغامرة بالنفس. تبدأ من الإنسان والمجتمع والأرض والدولة وتنتهي إلى العلم والفكر والمعرفة والايديولوجيا.
لابد إذن أن يشتمل فعل المقاومة على المنظومة الرباعية التالية: اللغة والقوم والدين والفلسفة.
استعادة لغة الضاد من جهة توهجها الروحي استعمالا وتكلما وخلقا وترجمة ما تحويه اللغات الأجنبية إليها هو فعل مقاوم.
أن ننظر إلى العرب على أنهم قومية موحدة وأمة واحدة وننادي بتكوين وطن عربي واحد يكون كالبنيان المرصوص والجسد الواحد من خلال مفهوم الهوية القصصية القرآني هو فعل مقاوم.
التمسك بالدين الإسلامي الحنيف وقراءته قراءة ثورية تقدمية على ضوء حاجيات العصر والنهل من معينه الذي لا ينضب للرد على التحديات هو فعل مقاوم.
" وأفضل للمقاومة الآن جعل العمل جزءا من الإيمان. فمن لا عمل له لا إيمان له. ومن يكتفي بالتعاطف مع المقاومة الفلسطينية ( واللبنانية) يؤيدها بالدعاء بالنصر ويشجب قسوة العدو فإن إيمانه ناقص…"[6]
أن نعتز بالفلسفة العربية وننظر إلى ما أنتجه أجدادنا من علوم وصنائع بعيون الإعجاب والافتخار وأن نعمل على تحقيقها ونقدها واستئنافها على أسس ومناهج جديدة هو نوع من المقاومة.
ماهي مقاصد المقاومة؟ فنحن نقاوم من أجل ماذا؟ هل المقاومة فعل عبثي يائس من مداومته ونجاحه أم أنها مشروع مستقبلي وتأسيسي يحرر الحياة حيثماهي أسيرة في المعمورة؟
إننا نقاوم من أجل:
- فداء الوطن وجهادا في سبيل لله.
- التضحية من أجل الآخر الانساني بالدفاع عن حقه في حياة عادلة وكريمة وآمنة مع المحافظة على الوجود الذاتي.
- الدفاع عن العقيدة والأرض والوطن ومقدرات الأمة.
- من أجل لاشيء، المقاومة فعل منزه عن كل غرض ، فهو غائية دون غاية.
- تحقيق العهد الذهبي للأمة وهو موعود به في المستقبل أكثر منه متحقق في الماضي.
- الوصول بالأمة إلى الرباط والوحدة والاعتصام بالعروة الوثقى،" فالبيت المنقسم لا يقوم".
لكن لابد من التمييز بين مجموعة من المصطلحات المتقاربة والملتبسة والتي هي كلمات حق أريد بها باطل مثل: التخريب والمقاومة،التعصب والانتماء، الإرهاب والعنف المشروع (حق الرد)، المحاف
المزيد