قاطعوا جريمة إغتيال الدستور

مارس 26th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , ثقافة المقاومة

 

معاً لخلع الديكتاتور

عبد الحليم قنديل

 
في كتابه البديع عن الثورة الصينية، كان روائي التاريخ الساحر محمد عودة ينهي كل فصل لاهث بعبارة صن يات صن «كان هذا مجرد فشلنا الأول»،.. و«كان هذا مجرد فشلنا الثاني»، وإلي … «كان هذا مجرد فشلنا الثالث عشر»، وفي المرة الرابعة عشرة كان النصر الأكيد ختاما لدراما المحاولات النبيلة حتي لو انتهت بالفشل، ولا أعرف ـ بالضبط ـ كم مرة فشلنا في مصر؟، من عرابي إلي سعد زغلول إلي عبدالناصر إلي انتفاضة 77، وإن كنت أعرف ـ بايحاءات تاريخ محمد عودة ـ أن تكرر الفشل لا يعني اليأس، وقد أثق ــ أكثر هذه المرة ـ أن بوسعنا النصر، فهذه أول مرة ـ من ثلاثين سنة مضت ـ تجتمع فيها قوي المعارضة الحية باختلاف أطيافها علي موقف صدام غير مسبوق، ليس الصدام هذه المرة حول اتفاقية مهينة وقعت مع العدو كما جري في كامب ديفيد، ولا علي معارضة سلطة جائرة مستبدة في موسم انتخابات ، ولا علي صفقات خصخصة يتوزع الرأي الاجتماعي فيها، ليس الصدام مقصورا علي اليسار دون اليمين، ولا علي العروبيين دون الانعزاليين، ولا علي الإسلاميين دون العلمانيين، بل الصدام هذه المرة حول الدستور نفسه، والدستور هو النظام،

وهو ما يعني ـ بالبداهة ـ أننا بصدد صدام مع نظام، والإجماع هذه المرة قاطع جامع مانع، وأي مدّع للمعارضة خارج الإجماع الوطني لا يستحق الصفة، إنه مجرد شخص معزول تكشفت أوراقه وسقطت أقنعته، فلم يعد من مجال لأشخاص البين بين وأحزاب البين بين ومتقعري البين بين، كل هؤلاء سقطوا في «بالوعة مجاري»، كل هؤلاء انتهوا ـ موضوعيا ـ إلي مقالب زبالة التاريخ، كل هؤلاء انتهوا موضوعيا ـ إلي خندق العائلة التي تشفط الثروة وتستبد بالسلطة، كل هؤلاء انتهوا ـ موضوعيا ـ إلي زمرة المماليك الهاربين بقصورهم وملياراتهم ودفاتر شيكاتهم إلي معية السلطان الهاجع في منتجع شرم الشيخ، وحتي أكثر التيارات اعتدالا في المعارضة لم تعد كذلك، انظر إلي موقف «الوفد» و«التجمع»، كان رهان دوائر القصر ودوائر الأمن دائما علي قادة هذين الحزبين بالذات، ولا نظن أن بالوسع دفع مواقف «التجمع» و«الوفد» إلي التراجع علي طريقة الأخت «ريمة» وعادتها القديمة، لا نظن أن قواعد الحزبين والقيادات الوسطي قد تسمح أو تغفر، فقد قُتلت الشياطين التي تسكن التفاصيل، وانتهت القصة إلي اختيار واضح فاضح، فالمطلوب اليوم ـ بالدقة ـ هو توريث المحروس، المطلوب اليوم ـ بالدقة ـ أن نسجد ونسبح بحمد عائلة مبارك من دون الله، أن نركع للعائلة التي تنتهك عرض وأرض ثمانين مليون مصري، المطلوب اليوم ـ بالدقة ـ هو سحق كل كلمة «لا» لجريمة سرقة بلد واغتصاب ناسه، وهم يتصوّرو

المزيد


مصادرة جريدة الكرامة .. حمل العدد المصادر

مارس 26th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , ثقافة المقاومة

مصادرة جريدة الكرامة


صرح المهندس عبد العزيز الحسيني عضو مجلس الادارة
المنتدب لجريدة الكرامة بانه تم إعاقة توزيع جريدة  الكرامة العدد الـ74 بتاريخ 27 مارس 2007 , والذي كان مقررا نزوله الي الاسواق يوم السبت مساءا 24 مارس 2007 , إلا إنه لأسباب غير معروفة تم تأخير التوزيع إلي ان صدر صباح اليوم الاحد 25 مارس ,  ثم تم سحب العدد من الاسواق بعد تداوله ومصادرتة


المزيد


حيتان البنتاغون تنتحر على شواطئ دجلة والفرات

فبراير 17th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , ثقافة المقاومة

حيتان البنتاغون تنتحر على شواطئ دجلة والفرات 

 الطاهر إبراهيم

رغم مرور أكثر من ثلاثة عشر قرنا على أول اتصال بين الغرب والإسلام، ورغم الحروب الكثيرة التي وقعت بين الغرب المسيحي والشرق المسلم، وما جرى بين الطرفين من اقتتال دامَ أحيانا أكثر من قرنين، مثل حروب الفرنجة، (الغرب يسميها الحروب الصليبية، ويسميها المسلمون حروب الفرنجة، ولكل تسمية

دلالاتها عند كل من الطرفين)، فإنه على ما يظهر أن حاخامات الغرب لم يعرفوا المسلمين على حقيقتهم، أو أنهم لا يريدون أن يعرفوا أصلا، فهم

يقعون بالأخطاء المرة تلو المرة، ولا يتعلمون من دروس التاريخ شيئا، بل ويظنون أن القوة المادية لوحدها تكفي في تحقيق الغلبة.

ولقد كان أقرب مثال خبره الغرب عن قرب هو الاجتياح السوفيتي لأفغانستان في ثمانينات القرن الماضي والهزيمة القاصمة التي لحقت بالجيش السوفيتي، أضخمِ جيوش العالم عدداً وثانيها تسليحا في النصف الثاني من القرن العشرين. ما لم تدركه أمريكا أن هذه الهزيمة لم تكن بقوة السلاح الذي كانت تسربه واشنطن إلى فصائل المجاهدين، بل بالقوة الرئيسة التي تحطمت على صخرتها جحافل الجيش السوفيتي، وهي العقيدة الإسلامية التي كانت تعمر قلوب المقاتلين الأفغان، فيصنعون بفضلها العجائب.

وسواءً أكانت تفجيرات 11 أيلول "سبتمبر" قام بها عرب مسلمون انتقاما من جرائم أمريكا، أو أنها تمت "فَبْرَكتُها" في كواليس المخابرات الأمريكية بإشراف الموساد الإسرائيلي، فقد وجدها الرئيس الأمريكي "جورج بوش" فرصة سانحة ليحجز لنفسه مكانة في قائمة عظماء أمريكا إلى جانب "جورج واشنطن" و"إبراهام لنكولن"، اللذين حققا إنجازات، ما يزال يتغنى بها الأمريكي جيلا بعد آخر. غير أنه، وبعد ست سنوات من رئاسته لأمريكا، فإن "بوش" لا يستطيع أن يحجز لنفسه مكانا إلا في قائمة الرؤساء الأمريكيين الحمقى المغرورين، الذين ما يلبث أن يتناساهم الناس، لأن الحماقات لا تعمر في ذاكرة الناس طويلا.

لو أراد المؤرخ أن يتتبع قائمة الحماقات التي ارتكبها "بوش" منذ اليوم الأول لتنصيبه رئيسا لأمريكا لأعجزه الأمر. نكتفي هنا بذكر ببعض هذه الحماقات منذ تفجيرات "سبتمبر"، عند ما أصدر بوش أمر القتال ضد أفغانستان، تبعه في ذلك قيادات أوروبية ورئيس استراليا دون أن يتبصروا على الأقل في تاريخ أفغانستان التي تعد بحق مقبرة للغزاة.

وليس بعيدا من ذلك مقابر الإنكليز فيها أواخر القرن التاسع عشر. ولكنه الحقد الصليبي الذي أعمى بصائرهم ليقودهم "بوش" إلى مصارعهم في مفاوز أفغانستان ولتمتلئ أسواق الغرب بالمخدرات بعد طرد "طالبان" من السلطة التي كادت أن تقضي على زراعة الأفيون.

وإذا كانت خيبات سيد البيت الأبيض في العراق لا تعد، فلعل أولها: إنصاته لمشورة الذين خدعوه بأنه سيكون صاحب الامتياز الذي عجز عن تحقيقه أبوه من قبل، أو تردد في اتخاذ القرار الصائب، حسب زعمهم، باحتلال العراق، ليتخذ "بوش" الابن القرار "المصيبة" عليه وعلى أمريكا، وربما لتكون أكبر من مصيبة حرب فيتنام، حيث انسحبت منها وهي ما تزال دولة عظمى، ومن يدري فربما تنسحب أمريكا من مستنقع العراق لينفرط عقد ولاياتها بعد ذلك إلى دويلات، كما حصل مع الاتحاد السوفيتي أوائل تسعينيات القرن الماضي.

وإذا كان قرار احتلال العراق هو "أم المصائب" التي تورط فيها جورج بوش، فقد كان الذين اختارهم لتنفيذ سياساته في العراق، ثاني أهم المصائب التي أوقع نفسه فيها بإساءته اختيار رجاله. وإذا كان في مأثور الحِكَم عندنا: "اط

المزيد


دعوة لحركات المقاومة العراقية: تعلّموا من التاريخ

فبراير 10th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , ثقافة المقاومة

دعوة لحركات المقاومة العراقية: تعلّموا من التاريخ
ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد
هذه رسالة مفتوحة للمقاومة الوطنية العراقية
"إلى كل منظمات، جبهات وحركات المقاومة العاملة في العراق: تحيات وطنية حارّة.
"آمل أن تجد هذه الرسالة المفتوحة طريقها إليكم وأن تكون محل قراءة ومراجعة من قبل العراقيين. أرجو من الباري أن يسدد مسعاكم، يقوي قلوبكم ويثبت أقدامكم وأن يجعلكم جزءاً من أولئك ممن لم يعرفوا الخوف والهروب من أداء واجبهم الوطني.
"سأبدأ كلامي بالقول أن الله يبارك ويدعم هؤلاء ممن حققوا الوحدة في سبيل بلوغ أهدافهم الوطنية.
"إنه لمنفعة عظيمة ودائمة بالتعلم من خبرة من سبقونا. دعونا نتعلم من التاريخ ونطور خططاً يمكن تنفيذها بنجاح وبسرعة.
"هناك أمثلة كثيرة جداً لحركات المقاومة الوطنية ضد المحتلين الأجانب والمتعاونين معهم وعناصر الداخل ممن يصطفون مع المحتل، يبيعون أنفسهم، وطنهم وأهلهم. وهذا ما نراه في عراق اليوم. دعونا نتعلم من هذه التجارب.
"النموذج الأول للمقاومة المسلّحة الوطنية هو نموذج المقاومة الفيتنامية ضد الاحتلال الأمريكي خلال الستينات. النموذج الثاني هو الصراع الفلسطيني المستمر منذ خمسين عاماً ضد الاحتلال الإسرائيلي.
"إن عناصر نجاح وفشل هذين النموذجين لحركات المقاومة تستحق الدراسة، و يمكن أن تشكل الدروس المستقاة منها أساس نجاح المقاومة ضد المحتل الأجنبي وعملاء إيران ممن يمسكون بالسلطة في العراق حالياً.
"يمكن لهذين النموذجين من المقاومة أن يوفرا رأس جسر باتجاه تحقيق قفزة إلى الأمام في عمل المقاومة العراقية. لم أتطرق في هذه الرسالة لتجارب حركات المقاومة الأخرى، سواء في أمريكا اللاتينية أو أفريقيا، طالما أن هذين النموذجين، حيث اخترتهما، يمثلان السياق العام للمقاومة في ظروف صراع العالم الثالث.
"لم تكن المقاومة الفيتنامية جبهة مسلّحة قاصرة على الحزب الشيوعي، كما يُعتقد عادة، ارتباطاً بالدعاية الإعلامية الأمريكية، وهي مماثلة لما تحاول الولايات المتحدة حالياً إلصاق مقاتلي المقاومة الوطنية العراقية بالمتطرفين الإرهابيين أو بأعضاء القاعدة.
"احتضنت المقاومة الفيتنامية- الفيتكونغ- كافة الأطياف الوطنية الفيتنامية ممن حملوا السلاح ضد الاحتلال الأمريكي- تنظيماً وتكتيكاً. تميزت جبهة الفيتكونغ باستراتيجية فريدة تستند إلى: وحدة فعل المدنيين، حرب العصابات والمناورات باتجاه جبهة واحدة، سحب القوات الأمريكية إلى ما عُرف عسكرياً بـ "معارك غير تقليدية" unconventional exchanges.
"بسبب هذه الاستراتيجية، فشلت القوات الأمريكية إلحاق الهزيمة بالفيتكونغ، رغم استخدام أحدث الأسلحة المتقدمة، متضمنة: قنابل النابالم، القنابل العنقودية والفسفورية، علاوة على الغازات السامة.
"لم تفشل القوات الأمريكية في الانتصار على الفيتكونغ، حسب، بل وأُجبرتْ على الانسحاب من فيتنام في سياق هزيمة منكرة كانت أعراضها السيكولوجية أسوأ بكثير من هزيمتها العسكرية.
"خرجت الولايات المتحدة من فيتنام وهي تلعق جراحها على مدى سنوات طويلة قادمة، فالجنود ممن ساهموا في هذه الحرب استمروا يدفعون ثمناً باهظاً حتى بعد عودتهم إلى الولايات المتحدة، والكثيرون منهم عانى من اضطراب عقلي مثل الهلوسة hallucination والهستريا hysteria. ومنهم من تحول إلى الشارع لممارسة الجريمة.
قبعت ثلاثة عناصر بارزة وراء نجاح مقاتلي التحرير الفيتناميين:
الأول- حشد المقاتلين تحت مظلة جبهة موحدة وقيادة موحدة.
الثاني- فشل القوات الأمريكية سحب الفيتناميين إلى حرب/ معارك تقليدية وإصرار الفيتكونغ بثبات على استراتيجيتها في القتال: حرب العصابات التي قادت، وعلى نحو منظم، إلى تقليل فعالية الآلة الحربية الأمريكية.
الثالث- الدعم المالي والعسكري السوفيتي.
بدأت التجربة الفلسطينية وفق نفس النمط خلال الستينات بإنشاء جيش منظمة التحرير الفلسطينية PLO- الجهود التي فشلت نتيجة عوامل تتقدمها:
الأول- تشظي fragmentation المقاومة الفلسطينية في ظل قادة تعددت ولاءاتهم لأنظمة عربية مختلفة.
الثاني- مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي (معارك تقليدية) وإفشاء أسرارهم من خلال التسابق في إصدار البيانات العامة من قبل العد

المزيد


فهــم الإنــسان لنفســــه

فبراير 3rd, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , ثقافة المقاومة

فهم الإنسان لنفسه..

صادق جواد سليمان

   واضح طبعاً أنَّ الموضوع الّذي أسوّقه لكم هذا المساء هو من نوع غير معتاد في حوارات هذا العصر الّذي تستحوذ  فيه على جلّ اهتمامات النّاس قضايا متفاعلة بقوّة داخل مجتمعاتهم كما هي متفاعلة بقوّة بين ما ينتمون لها من إيديولوجيّات وأديان وأعراق وأمم ودول… قضايا سياسيّة، ثقافيّة، اقتصاديّة، أمنيّة، وسواها، لا تبرح تثير الخلافات حولها اضطراباً منهكاً ومعيقاً في العلائق الإنسانيّة…. هذا بالرغم من تحقق يُسرٍ اقتصادي وسُهولة تعارف وتواصل إبّان العقود الأخيرة عالميّاً على نحو غير مسبوق. ولأنَّ فهم المرء لنفسه يشكّل عاملاً جذريّاً في صياغة تعامله مع مختلف الأمور، وتحديداً مع القضايا مثار الخلاف والخصام، فقد توخّيتُ شيئاً من الفائدة من طرق هذا الموضوع من وجهة فلسفيّة، تحديداً من باب استذكار ما أكّد عليه أهل الحكمة في مختلف الحضارات في مختلف العصور أنَّ المعرفة والاستقامة ، ومن ترافدهما تتولّد الحكمة، هما أهم عاملين في تهذيب الخبرة الإنسانيّة وتطويرها للأمثل.

                 

 الحديث هو بعنوان:

فهم الإنسان لنفسه – منظور فلسفي

 

لفهم الإنسان لنفسه علاقة صميمة بنَسَق نظره للوجود ونمط مسلكه في الحياة. فإذا فهم المرء نفسه على أنّه جرمٌ صغير محدود منفصل، تصرّف كجرمٍ صغير محدود منفصل. عندها ينحصر جلّ همّه في نفسه، فإن تعرّض همّه من بعد ذلك فإنّه يبقى ضمن خصوصيّته، مُنشدّاً، مراراً ما بقدرٍ من تعصّب، إلى قبيلة أو قوم أو دولة أو دين. أمّا إذا فهم المرء نفسه أنّه ذات موصولة بمطلق الوجود، أنّه فيض من معين منه فيض الوجود بأسره، تصرّف من عُرض نظر يعتبر الكون كلّه مجاله، الأرض كلّها موطنه، الحيوان جميعه رفقة الحياة، والبشر عامّة إخوة في الإنسانيّة، أو كما عبّر الإمام عليّ بن أبي طالب في عهد كتبه لوالٍ ولاّه على مصر…. اعتبر النّاس عامّةً نظراء في الخلق، أي سواسية في الإنسانيّة الأم، لذا متساوين أصالة في الكرامة والحرمة والحقوق.

بصدد إيقاظ هذا الوعي الكوني الأعرض في الإنسان تُنسب للإمام عليّ أيضاً أبيات طالما ردّدها أهل العرفان في منتدياتهم، لكنّها، كعديد من المأثورات الفكريّة الّتي استُودِعت أدق وألطف مُدركات الحضارة العربيّة الإسلاميّة، ما استوعِبت في الثقافة العامّة بعمق، بل كثيراً ما رُوّج عكسها من مقولات تذهب إلى تضييق الأفق الفكري، ومنها ما يذهب تحديداً إلى تكريس محدوديّة الإنسان والحكم عليه أنّه كائن ناقص الكينونة قاصر القابليّة للتّطور للأحسن.

الأبيات الثلاثة المنسوبة للإمام عليّ بهذا الصّدد، هي:

               دواؤك فيك وما تُبصر                وداؤك منك وما تشعر

               وأنت الكتاب المنير الّذي            بآياته يظهر المُضمر

               أتحسبُ أنّك جُرمٌ صغير              وفيك انطوى العالم الأكبر

 

كيف يكون انطواء العالم الأكبر في الإنسان؟ كيف بالإنسان يظهر المضمر من أسرار وألطاف هذا الكون؟ يكون ذلك باستيعاب الإنسان العالم معرفيّاً ووجدانيّاً، أي بإحاطةٍ في الذهن لواقع ما العالم عليه وباستشعار بديع صنعه. بتعبير آخر، كلّما اتّسع علم الإنسان بالكون وارتهف حسُّه في استشعار جماله وجلاله، كلّما اتّسع عقله بعمليّة ما يتدرّج في علمه، وازداد استئناسُهُ بالعالم واطمئنانه فيه. بهذا المعنى الكون ينطوي فينا بقدر ما نحتويه معرفيّاً ونأنس به وجدانيّاً. بهذا المعنى أيضاً، عالم إنسان اليوم أكبر وأدقّ تفصيلاً وأونس من عالم إنسان الأمس، وعالم إنسان الغدّ سيكون أكبر وأدقّ تفصيلاً وأونس من عالم إنسان اليوم.

في مجال المعرفة، الك

المزيد


التجربة الثورية لجمال عبد الناصر

يناير 26th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , ثقافة المقاومة

اطلالة على التجربة الثورية لجمال عبد الناصر
وعلى فكره الاستراتيجي والتاريخي
د . جمال اتاسي
هذا الكتاب هو، باختصار، عبارة عى دراسة لفكر عبد الناصر وتحليل له، ووضعه في الموضع الذي يجب أن يكون فيه. انه تنقل مع عبدالناصر وإبراز أهميته في الثورة المصرية والعربية التي انطلقت في تموز (يوليو) من عام 1952، والإشارة إلى الاعتماد الكلي عليه، مما أفقد ثورته من بعده زخمها وقوتها فضعفت وتمكن الأعداء منها .

 
انه تتبع لفكر الرجل القائد عبر الزمن ، وتصوير تطوره معه تبعآ لمنطق التطور ذاته ولمنطق مسيرة التاريخ النامية.
إنه تحليل لما كان عليه فكر عبد الناصر وكيفية اعتماده على المنهج التاريخي وتأثره بما كان يحيط به من ثقافة وموقع.
إنه محاولة ناجحة لوضع الحقائق في نصابها، وللتدليل بذكاء على نقاط الضعف والوهن في الثورة الناصرية ، والانطلاق من ذلك لوضع الحلول الحقيقية من أجل النهوض بالثورة العربية في أيام ما بعد عبد الناصر ، كل ذلك في إطار من الموضوعية والتحليل الصحيح .
ولقد عولجت هذه المواضيع السابقة الذكر ضمن أربعة أقسام الأول منها كان تحت عنوان: " مع الثورة في مسارها التاريخي العام: الثورة المستمرة وحضور عبد الناصر " أما القسم الثاني ، فكان تحت عنوان: " فكر عبد الناصر في جدلية تقدمه ونضجه: من الثورة الوطنية إلى الثورة الكاملة والاشتراكية العلمية " ؛ ولقد وضع القسم الثالث تحت عنوان : " من الاستراتيجية العسكرية إلى الاستراتيجية السياسية والفكر التاريخي " وأخيراً اتخذ القسم الرابع عنوان : " الناصرية ومستقبليتها : الاقتناع والتجديد ".
وما تجدر الاشارة إليه هنا هو أن المؤلف اعتمد في كتابه الذي بني على مصادر عدة، كمراجع منها : كتاب " فلسفة الثورة " ، و" الميثاق " لعبد الناصر، ومنها بعض الخطب للرجل القائد، وبعض المقابلات الصحفية التي أجريت معه. كذلك اعتمد على معايشته ومعرفته الشخصية له . كما أن التاريخ ، بشكل عام ، كان أحد المراجع أيضاً .
والآن وقبل الانتقال إلى شيء من تفصيل لما ورد سابقاً عن مضمون الكتاب ، لا بد من القول: إن القارىء، حينما ينتهي من مطالعة كتاب " اطلالة على التجربة الثورية لجمال عبد الناصر وعلى فكره الاستراتيجي والتاريخي " سيضع صاحبه في خانه الكتاب الإيجابيين الذين لايكتفون بتحديد أو وضع اليد على المشاكل والثغرات التي نعانيها ، بل يضعون الحلول لها أيضأ.

القسم الاول: مع الثورة في مسارها التاريخي العام - الثورة المستمرة وحضور عبد الناصر

بدأت ثورة عبد الناصر ثورة وطنية مصرية تخلع الملك وتسقط النظام الملكي وأعوانه وتطرد الاستعمار. ولكن ، ولأن عبد الناصر على رأسها وهو رجل التاريخ ، المتعامل مع حركة التاريخ ، المنفتح على أحاسيس الشعب وتطلعاته ، الفاعل مع حركة الجماهير، المتفاعل معها، فإن هذه الثورة أخذت صبغة الثورة المستمرة ، محددة أبعادها الأولى في أنها ثورة سياسية واجتماعية معاً ، صاعدة بهذه الثورة مراحل وأطواراً ، آخذة شيئاً فشيئاً ، بعدها القومي العربي دفعاً على طريق وحدة نضال الأمة ووحدة أهدافها وعلى طريق اندماجها ، منطلقة إلى أن تكون ثورة شمولية تقدم تجربتها للإنسانية .
أما أين تنتهي هذه الثورة ، فإن عبد الناصر يجيب على ذلك بقوله : " إن الثورة لن تقف إلا عندما ينتهي استغلال الإنسان للإنسان " . ومعنى ذلك أنها ثورة مستمرة انها ثورة بدأت من استيعاب رجلها لتاريخ النضال الوطني المصري السابق لها ، مستفيدا من ذلك للوصول إلى استيعاب معطيات الحاضر، كل ذلك بإمعان التفكير والتحليل .
لقد قامت ثورات وحركات متعددة في أرجاء مختلفة من الوطن العربي ، ولكنها لم تصل إلى ما وصلت إليه ثورة عبد الناصر من بعد شمولي وبعد قومي ، وهذا عائد لعاملين اثنين: أولهما: دور مصر وشعب مصر ومكانة مصر في الوطن العربي ؛ وثانيهما : الدور التاريخي لشخصية عبد الناصر الفذة .
ويتساءل المؤلف الكريم: لماذا توقفت ثورة عبد الناصر بعد غيابه ؟ ويجيب على ذلك بالقول : إن السبب هو عبد الناصر وغيابه ؛ فلقد تركنا دور أن يخلّف لنا بديلأ عنه ، في مستوى قيادته ودورها وفعلها ، مما أدى إلى تحرك الثوره المضادة من داخل مصر وخارجها.
وهدا كلام سليم ؛ ذلك أنه لا بد من الاعتراف بأن ثورة مصر عبد الناصر كانت شامخة بشموخ قائدها ، أخذت من شخصيته وكبرت بوجوده ومن وجوده ، فعندما غاب ولم تكن هناك قيادة تتمتع بمزايا عبد الناصر واندفاعه ، اختل توازن الثورة مما أضعفها وحرّك أعداءها.
إن الاعتماد الكلي على عبدالناصر والأخذ منه دائمآ ، وعدم إعطائه واعطاء ثورته، والاكتفاء بأنه موجود، وبوجوده تحل أو تغطى ، على الأقل ، بعض المشاكل أو النواقص، أضرّ بثورته خاصة من بعده ، ذلك أنه بذهابه تصدرت كل النواقص والمشاكل الواجهة، وليس هناك من يخفيها أو يغطيها أو يحلها ، مما جعل أعداء الثورة يتمكنون منها، ويتعلقون بهذه الأغاليط ليعملوا منها وفيها على هدم ما بنته الثورة ، وإزالة آثارها ، كأنها لم تخلق أو تبن سوى النواقص والأغلاط .
ثم يكلمنا الكاتب عما يسميه بهزيمة حزيران (يونيه) 1967، وما أثرته بعبد الناصر وفكره، فهو يقول : " وموقفه [ أي عبد الناصر ] منذ العاشر من حزيران (يونيه) لعام 1967، يمكن أن يتلخص بكلمات : لقد قاد الأمة ، وهزمت في معركة ، وأعادته الأمة إلى قيادتها ، فلا بدّ أن ينتصر، وصب كل جهده وبكل ما يطيق إنسان ، وبكل ما يفكر ويعمل ويقوى ، على أن يجعل الهزيمة معركة في حرب لم تتوقف ولم تنته ، والانتصار في تلك الحرب أصبح الضرورة التاريخية التي لا بدّ عنها… لقد ظل عبد الناصر هو نفسه… ولكنه انتقل نقلة نوعية إلى طور جديد… لقد كان ظل الثورة ولكنه أصبح عقلنة الثورة… التي تضع كل شيء على محك الواقع الملموس وعلى محك الجدوى . كان مسار عبد الناصر… التعلم من التجربة والخطأ. ولكن بعد الهزيمة لم يعد هناك أمامه من هامش كبير للخطأ ولا من مجال للتجربة، فالممارسة لا بدّ أن تخضع لمنهجية واضحة كل الوضوح " لا مجال فيها للخطأ.
هنا يركز المؤلف على النقلة النوعية في فكر عبد الناصر وشخصيته ، وخاصة بعد هزيمة حزيران ، نقلة فرضتها الظروف ولكن صاغها فكر متيقظ لرجل دائم السهر ودائم الحركة.
فهنا دلالة على النمو المتصاعد أو التقدم المتنامي لحياة وفكر عبدالناصر المعايش أو المستجيب لواقع ما تفرضه الأحداث . إن الظروف فرضت وعبد الناصر سرعان ما تنبه وعمل لذلك بفكر هو، أصلأ، دائم التيقظ .
ويضيف الأستاذ الأتاسي فيقول : " لقد أصبح منهاج إزالة آثار العدوان (بعد هزيمة حزيران (يونيه) 1967) في تلك المرحلة معيارآ للثورة يحكم مسارها ويراجع ويعدّل في عدد من مواقعها وانجازاتها ، ولكنه ظل منهاجاً في الخط الأساسي للثورة يرصد بعدها التاريخي العام والتزامها بأهداف الأمة " .
فهنا، ودائمأ مع التعرف على شخصية عبدالناصر، تبيان لأصالة ذلك الرجل وثباته وعدم تنكره للمبادىء الأساسية لثورته ، والتي كانت سببأ فيها ، وإن كان هناك من أهداف جديدة مهمة فرضت الظروف العمل لها والجهد من أجلها ، فهي الثبات وعدم التلون وعدم التنكر، إنه الأصالة ، إنه الحقيقة .
وفي مكان آخر يقول الأستاذ الأتاسي: " والجماهير الهائلة التي رفعته من السقوط (بعد هزيمة حزيران- يونيه) هي نفسها التي مشت تشيّع جثمانه منادية بتصميم واحد: حنكمّل المشوار… ولكن المشوار انقطع. فالجماهير تفرقت ولم تجد أمامها من يحشدها من جديد على طريق أهدافها ، ولم تجد من يواصل بها المسار، ذلك أن طريق عبدالناصر كان قد انقطع أيضأ بغيابه لأن حضوره كان مقومآ أساسيأ من مقومات ذلك الطريق… ".
ومن مضمون هذا المقطع السابق من كتاب الأستاذ الأتاسي، نتبين مدى ثقل عبدالناصر وأهميته العظمى في مسار الثورة وفي حشد الطاقات لها: إنه كان ركيزة الثورة ، وفي غيابه ذهبت هذه الركيزة، واختل بالتالي توازن الثورة .
ولكن ، وإن أعملنا الفكر في هذا المقطع وهذا المفهوم ، نستطيع أن نجد نقصأ في ثورة عبدالناصر، ونقدأ غير مباشر لجماهير الأمة العربية وبخاصة مفكريها، لأنها اعتمدت على ركيزة يعرف الكل أنها لن تدوم أبد الدهر، وبالتالي لم تعمل على إيجاد أو خلق البديل أو الصيعة الملائمة. وتدليلآ على ذلك النقص ، أو الثغرة ، يشير مؤلفنا ، نقلأ عما قاله عبد الناصر، فيقول: (، لقد أشار عبد الناصر ، أكثر من مرة ، إلى واحدة من تلك الثغرات في تجربته ، ونص على ذلك في الميثاق بقوله: (… إن هذا الشعب بدأ زحفه الثوري من غير تنظيم سياسي يواجه مشاكل المعركة ، كذلك فإن هذا الزحف الثوري بدأ من غير نظرية كاملة للتغيير الثوري … )
وفي مكان آخر يقول المؤلف : " والواقع أيضأ أن العديدين منا في أيام عبد الناصر ، وبخاصة في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته ، كانوا يتساءلون …: " ماذا سيحل بقضية أمتنا ووقفتنا النضالية إذا انتهى أو غاب عبد الناصر ، أي اننا كنا لا ندرك ما يجسده حضورعبد الناصر وقيادته للأمة من إيجابيات فحسب ، بل ولما يغطي هذا الحضور، بل ويموهه أحيانآ من ثغرات ومن سلبيات … ولكى وعى القصور لا يعني بالضرورة تداركه.. بل هو قصور في حركة نهوض الأمة وفي تطور الوعي التقدمي لطلائعها الثقافية والسياسية "

القسم الثاني: فكر عبدالناصر في جدلية تقدمه ونضجه : من الثورة الوطنية إلى الثورة الكاملة والاشتراكية

في هذا القسم ، يحدثنا الكاتب عن فكر عبد الناصر عبر الزمن ، وتكيفه معه ، وتطوره أساسأ وتبعأ لمنطق التطور والتاريخ . فيقول الأستاذ الأتاسي : " إن استكشاف فكر عبد الناصر السياسي في مساره العام ليس بالأمر الصعب ، فلفد كان في أكثر الأحوال مبسطا لا لبس فيه ولا تعقيد ، بل كان يأتي دائمآ في المستوى الذي يعيه ويستوعبه الناس جميعأ ، إلا أنه يظل في مجمله فكرآ يصعب حصره وتصنيفه مباشرة ضمن المعايير الأيديولوجية المأخوذة في تصنيف الأفكار السياسية وتصنيف النظم التي تقوم على أساس من هذه الأفكار وتصنيف الثورة ومراحلها… ".
هذه الفقرة السابقة ، إن أمعنا فيها تفكيرأ ، تدلنا على الأسباب التي جعلت عبدالناصر محبوبآ من قبل الجماهير؛ فهو استعمل أسلوبها وتعمّد أن يكلمها بلسانها: فأحبته كما أحبها ؛ كما تدلنا على مدى استقلالية عبد الناصر تجاه الكل ، وتجاه الأيديولوجيات والنظريات ، ففكره بعيد عن
أن يؤطر ضمن مفاهيمها ، فهو غير ملتزم إلا بشعبه وبأمته . فقد يأخذ من هنا أو من هناك ، وبعد تفكير، ما يراه مناسبأ ، وهو في اليوم التالي مستعد للتخلي عنه إذا رأى أن التجربة تثبت عدم جدواه . وليس معنى هذا أن عبد الناصر في عمله وأخذه وتركه كان مطلقأ من أية مبادىء أو قناعات أو منطلقات ، بل كان هناك منها ما يشكل المنائر في مسيرة الرجل القائد. وفي ذلك يقول المؤلف في مكان آخر من كتابه : " وإذا كان تقدم العمل على التخطيط النظري ، وتقدم الممارسة على التوضيح الأيديولوجى، هما اللذين حكما المسار العام لتجربة عبد الناصر، فان ممارسته السياسية والنضالية كانت تستهدي ، ومنذ بداياتها، بمناعات ومنطلقات أساسية صاغتها الحياة في نفسه وصاغتها ثقافة البيئة التي نشأ فيها ومنبته الطبقى والاجتماعي … ولكن عبد الناصر كان ومنذ بدايات تجربته أيضأ منفتحآ على روح أبعاد التقدم التي بلغتها الدول المتقدمة ومنفتحآ على روح العصر، وبهذا الانفتاح كان مدركآ لحالة التأخر التي يعيشها مجتمعه، وجاء يحمل هذا النوع الثوري للتغيير… ". لهذا نرى عبد الناصر وضمن إدراكه لحالة التأخر في قومه ومجتمعه يعمل للتخلص من هذه الحالة! ، ففي ذلك يتبين أنه أدرك ولم يقف عند حدود الإدراك فقط ، بل انتقل إلى مرحلة ثانية هي العمل والعمل الثوري بالذات. وهذا يعطينا صورة أخرى عن شخصية عبدالناصر، وهي شخصية عاملة ثوري

المزيد


العرب و الصهاينة .. دروس التجربة الصليبية

يناير 21st, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , ثقافة المقاومة, عروبة و إسلام

العرب..و الصهاينة

دروس التجربة الصليبية

عبد العال الباقوري*

 

بعد حوالي سبعة قرون على انتهائها، في أواخر القرن الثالث (في أوخر القرن الحادي عشر)، لاتزال"الحروب الصليبية"، فكرة وأحداثاً، تلقى إلى اليوم بتأثيراتها على الفكر العربي، الإسلامي من ناحية، ومن ناحية أخرى على جناح أو آخر من الفكر الأوربي متفرعاً عنه وتابعاً له "الفكر الصهيوني". واليوم، لا يكاد يتذكر عربي أو مسلم"الحروب الصليبية" إلا وطافت بذهنه"الغزوة الصهيونية"، والعكس صحيح.

عشر الميلادي، وتسعة قرون على إعلانها وبدئها

 

و"الحروب الصليبية" تجربة تاريخية، لها، ككل تجربة تاريخية، دروسها المستفادة، والمفيدة. ومن المؤكد أننا لا نبحث عن شفاء أمراضنا الحالية في أحداث ما ضينا. للماضي منطقه، وللحاضر منطقه. ولكن أوجهاً من وجوه التشابه بين الأحداث واردة. وعند هذا الحد يجب التوقف بإمعان لاستخلاص الدروس: لماذا حدث ما حدث؟ وكيف حدث؟ وهل، أو حتى، كيف"يمكن" أن يحدث ثانية (أو حتى  يتكرر ؟) في ظروف مغايرة، وأجواء مختلفة.

 

إن أحداَ من العرب لا ينتظر صلاح الدين ولا عودة عماد الدين زنكي أو بيبرس أو قلاوون، إن هؤلاء لا يعدوننا بمستقبل أفضل، إلا إذا خلقنا الظروف التي تلد أمثالهم اليوم، بكل ما في كلمة "اليوم" من تبعات[1].

 

وفي الوقت نفسه فإن"التجربة الصليبية" هاجس وشبح يؤرِّق الصهاينة، ويكاد يقض مضاجع بعضهم، سياسيين وعسكريين ومفكرين، ويدفعهم إلى دراسة هذه التجربة دراسة عميقة مستفيضة، بغرض استنباط الدروس المستفادة، للأخذ بها وتطبيقها، لعل ذلك يكون حائلاً ومانعاً دون أن تلقي الظاهرة الصهيونية المصير نفسه الذي لقته الظاهرة الصليبية.

 

التطابق ليس وارداً بين ظاهرتين تاريخيّتين في سياقين زمنيين مختلفين، وفي إطارين دوليين لا يمكن أن يتشابها، ولكن حديث"الدروس المستفادة" قد يغري بالإغراق في حديث"المشابهة"،  خاصة وأن هناك وجوهاً كثيرة ومفردات عديدة تبدو"متشابهة" بين تجربة أمس وظاهرة اليوم، ولا نزال، نحن العرب، نفتقد وجود دراسة شاملة تلم بأطراف ذلك، وتغوص في أعماق أدق التفصيلات، وعلى الرغم من أننا نتحدث كثيراً عن مصير الصليبيين فإن غالبية كتاباتنا بأن الصهاينة سيلقون نفس المصير تصدر ذلك وكأنه حكم نهائي بات، وتكتفي بالاهتمام بالمشابهة أكثر من اهتمامها بالدروس المستفادة[2].

 

وأوجه التشابه بين التجربتين شديدة الإغراء لمن يريد أن يطرقها، وهي ليست مدار بحثنا هنا، حيث تكفي نظرة طائر يحلق، يرى الأحداث في مجراها ومسارها، لا يعددها ولا يفصِّلها، ولكن يضعها في الاعتبار، ويختزنها خلفية لاستخلاص الدرس، دون أن يتردد في طرح التساؤل عن إمكانية "التكرار" في ظل ظروف متغيرة، وأحوال مغايرة، وأجواء متقلَّبة، وقيادات مختلفة، فما يحدث اليوم لا يمكن أن"يكرَّر" صورة ما حدث أمس. دون أن نسقط من الاعتبار أن الأرض التي دارت فوقها أحداث أمس هي الأرض نفسها التي تدور فوقها أحداث اليوم. فهل التاريخ هو ظل الأحداث فوق هذه الرقعة الجغرافية، أي فلسطين، بوابة مصر الشرقية، وجنوب الشام، ومن يسيطر عليها يؤِّثر عليهما؟

 

 ظاهرتان ومقارنة

لا يتردد الدكتور قاسم عبده قاسم، وهو واحد من أهم المؤرخين العرب المعاصرين اهتماماً بـ"الحركة الصليبية" في أن يصف هذا المصطلح بأنه"المصطلح المضلل المربك"[3]، ويشرح أسباب ذلك مشيراً إلى أن أحداث هذه الحركة  بدأت في السابع والعشرين من شهر نوفمبر 1095م بالخطبة التي ألقاها البابا "أربان الثاني" في كليرمون في جنوب فرنسا[4]، داعياً إلى شن حملة تحت راية الصليب ضد المسلمين في فلسطين. ودارت رحى أحداث امتدت أكثر من قرنين.

 

وإذا كان الذين انخرطوا في هذه الحروب قد خاطوا على ستراتهم صلباناً من قماش، إلا أن حركتهم لم تحمل صفة "الصليبية" إلا في أوائل القرن الثالث عشر، واستخدمت بدلاً من ذلك مصطلحات أخرى مثل "رحلة الحج" و"الرحلة إلى الأرض المقدسة" و"الحرب المقدسة"[5] وبالمثل، لم يستخدم المؤرخون العرب الكبار المعاصرون لهذه الحروب مصطلحات مثل "الصليبيين" أو "الحملة الصليبية" أو "الحرب الصليبية" بل استخدموا تعبيرات مثل "حركة الفرنج"[6].

 

وقد أخذت هذه الحروب شكل "حملات" تعددت فوصلت إلى سبع أو ثماني حملات، بدأت أولاها في 1096، وخرجت الأخيرة منها من أوروبا في 1250. وقد نجحت"الحركة الصليبية" في إقامة"مملكة بيت المقدس" وعدد من الإمارات الصليبية الأخرى. لم يكن مسرحها فلسطين وحدها أو المشرق العربي ـ الإسلامي فقط، إنما كان حوض المتوسط بأكمله، بجزره وشواطئه العربية والإسلامية"[7].

 

ولم يقف بعض قادة هذه الحملات عند هذه الحدود، بل مدّوا أبصارهم إلى ما وراءها، وصولاً إلى المقدسات الإسلامية في الحجاز، ويرى أغلب المؤرخين أن هذه الحروب قد انتهت بتحرير عكا واستعادتها في 1291، بينما يرى آخرون أنها امتدت إلى القرن 15، ويعتبر فريق ثالث من المؤرخين العرب أن هذه الحروب لا تزال مستمرة إلى اليوم[8] ويعتبر الحرب في أفغانستان والعراق "حرباً صليبية".[9]. وقد أصبح تعبير "حرب صليبية" متداولاً ويُضرب مثلاً كدلالة على أية حرب "ضروس" أو طويلة الأمد، ودون أن يعني أنها حرب مقدسة، بل يكاد العكس يكون صحيحاً[10].

 

أما"الحركة الصهيونية فتعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، وهي ترتبط بكلمة "صهيون" وهو جبل يقع في شرق القدس، وهي،  باختصار شديد، تعني إقامة "مجتمع يهودي محض" في فلسطين[11] أو في حدود الأرض الموعودة، التي يزعم اليهود أنه يحق لهم أن يعودوا إليها. ويعتبر كثيرون المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا، وقيام "المنظمة الصهيونية العالمية" بداية لوجود "الصهيونية السياسية" بينما يرون أن "الصهيونية الدينية" أقدم من ذلك بكثير. وعلى الرغم من أن فلسطين لم تكن منذ بدء الحركة الصهيونية هي الهدف لإقامة "الدولة اليهودية" إلا أن الأنظار والأفكار والأعمال الصهيونية تركزت عليها منذ العقد الأول من القرن العشرين، وتأكد ذلك بشكل خاص منذ صدور وعد "بلفور" وز

المزيد


قيام المقاومة .. قيام المقاومة

يناير 20th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , ثقافة المقاومة

قيام المقاومة

تباشير من أجل فلسفة المستقبل

زهير الخويلدي

"الأنا تضع نفسها حين تقاوم" [فخته][1]

"فأينما توجد سلطة توجد مقاومة " [فوكو][2]

إذا كان غرضنا هو صنع المستقبل والتشجيع على الصبر والوعي والإبداع والدفاع عن حق الأمة في الوجود بالاستماتة والاستثبات فانه من اللازم أن تكون فلسفتنا المنبعثة من ركام القرون الوسطى وحطام الاستبداد ورحم الاستعمار فلسفة مقاومة ونظرية في الثورة والنضال تتقن لعبة السياسة وتضع يدها على سياسة اللعبة العالمية وذلك بالاقتدار على الجمع بين حنكة السياسيين وأخلاق العلماء وشجاعة المحاربين من المدافعين عن الكرامة وكذلك بإعادة تعريف السياسة تعريف راشدا والتوجه على التو نحو الممارسة والفعل من أجل تحرير الأرض وصون العرض والذب عن الأوطان.

ما يسترعي الانتباه أنه قد شاع رأي فاسد حول المقاومة مفاده أنها مجرد رد فعل ورجع صدى، فسلطة الاحتلال هي الوجه والفعل والمقاومة هي القفا والشكل الأقصى للانفعال،وبالتالي نعثر على تسلط وتوسع لإرادة الطغيان من جهة يقابله رفض وعصيان وتمرد على هذه السلطة الغاشمة من جهة أخرى.

على هذا النحو يزعم مروجو هذه الدعوى أن المقاومة تشكل بالنسبة للسيطرة الاستعمارية الامبريالية والتوسع الاستيطاني الصهيوني وجهها الآخر المنفعل على الدوام والمعرض للهزيمة اللامتناهية ومعنى ذلك أن مجهود المقاومين ليس بالضرورة سيكلل بالنجاح حتى وإن توفرت فيه مجموعة من الشروط والمبادئ.

وقد عزز أصحاب هذا الرأي موقفهم بمجموعة من الحجج والبراهين التاريخية والفكرية مثل:

- نهاية التاريخ وموت الآلهة.

- ميلاد الإنسان الأخير وخلع الفرد الواعي من عرشه وتبعيته لللاوعي.

- لا نقدر على الإفلات من قبضة العولمة الاختراقية، فالعالم أصبح قرية صغيرة.

- لا وجود لخارج مطلق بالنسبة للسلطة وحتى المقاومة لابد أن تكون من داخل هذه السلطة ومن

أجل إكسابها المزيد من المشروعية.

- الاستعمار هو مكر العقل الكلي على مسرح التاريخ وهو المكر الذي لا راد له.

- دخول عصر إمبراطوري يتميز بانتكاسة مفهوم الدولة الأمة وسطوع نجم اللاوطنية الجذرية وانتشار إيديولوجيا ما بعد القومية.

فهل يعقل ألا تقوم مقاومة من طرف أمة تتعرض للعدوان وتستهدف بناها التحتية من طرف الاستعمار؟ من ينهي سلطة الاحتلال؟ هل هو الضحية الذي وقع عليه الفعل بإيمانه بحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها وبإيمانه بحقه المشروع في المقاومة أم الجلاد المعتدي عندما يوبخه ضميره يستيقظ فيه صوت الروح ويعود إلى رشده ويستعيد ما في جبلته من إنسانية؟

 لماذا تريد الامبريالية وربيبتها الصهيونية أن تربط اسم المقاومة لدينا بتهمة الإرهاب؟

أليس الإرهاب مجرد كلمة اخترعتها الفئات المسيطرة من أجل الهيمنة على الآخرين؟

هل نتنصل من المقاومة كي لا نتهم بالإرهاب أم ينبغي الإشادة بها وإسنادها بالفلسفة التي تنقصها؟

 ولكن أليس من اللائق بالنسبة الينا أن نعلن دون مواربة ولا تردد أنه: حيث تكون سلطة استعمارية استيطانية تقوم مقاومة وصمود وتصدي؟

ما يجدر ملاحظته هو اقتران خطر الاستعمار بقيام نقاط مقاومة كثيرة تناهض هذه العولمة وتقوض أركان المعتدين وتكيل لهم الصاع صاعين ويحركها المبدأ الحقوقي الكوني: العين بالعين والسن بالسن والبادء أظلم، وتلعب نقط المقاومة هذه في العلاقات السلطوية الدولية دور الخصم والهدف والدعامة والمتكأ وتؤدي مهمة الدليل والمرشد والسند الشرعي والسبب الموضوعي للشعوب المضطهدة والمظلومة، ترفض منطق الغطرسة وتحاول فرض قوة المنطق وترى أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، تفكك علاقات المصلحة والهيمنة وتستبدلها بعلاقات التعايش وحسن الجوار وأخلاق الضيافة على أساس احترام متبادل وإنصاف.

اللافت للنظر أن المقاومة ليست خديعة أو وعد لا ينبغي أن يوفى به بل هي ترتسم كالمقابل العنيد الذي لا يمحي للاحتلال وتشكل الطرف النقيض في علاقات الهيمنة والقوة الضاربة للذين اغتصبت ديارهم واكتووا بنار العولمة الملتهبة. إذ يقول روجي غارودي في هذا السياق:

 "لم تنجح إرشادات الكنيسة والثورات الاقتصادية والسياسية في تغيير الإنسان والعالم فقد مر مبشرون سماويون عاجزون وثوار كثر أرادوا تغيير كل شيء إلا أنفسهم ويجب أخيرا تصور ما بعد العصرية. العصرية تقوم على الظن بان العلم والتقنية هما معيارا التقدم الوحيدين (…)

نحن نعيش تحت احتلال جديد احتلال غريب بالنسبة للإنسان: انه احتلال وسائل الإعلان والتلفزيون. يجب تنظيم شبكات مقاومة لللامعنى وتحويل جهود كل الذين يريدون أن يكون لحياتهم معنى. حياتهم كلها: العمل، الانتاج، الخلق، الفنون."[3]

والحق أنه لا توجد مقاومة واحدة بل عدة مقاومات:

1- هناك المقاومات الممكنة التلقائية المنعزلة والمستكينة والميالة إلى الصلح والمتضاربة وهي المقاومات السلمية الهادئة الثقافية والاجتماعية والسياسية(المعارضة) بالمشاركة من خلال الهوية السردية في صنع العالمية.

2- وهناك المقاومات الضرورية المشروعة، غير المحتملة والعنيفة في نظر الدوائر الأجنبية والهادفة إلى مصلحة محددة سلفا وهي طرد الاحتلال ومناهضة العولمة بكل ما أعدت لها من قوة.

نقط المقاومة هذه حاضرة في كل مكان من شبكة السلطة الغازية، فلا وجود لمثلث واحد للموت أو مكان وحيد منعزل رافض لتواجد الأجنبي هو مكان التمرد المطلق وإنما روح الصمود متغلغلة في كل الأنفس وبوصلة المقاومة تمثل المعين الذي لا ينضب للانتفاضة، تهذب جميع التمردات وتجعل أشكال النزاعات توطئة من أجل ثورة شاملة.

ثمة مقاومات الآن في الحضارة المهددة بالاندثار لحظة القطيعة الكارثية وليس مجرد مقاومة واحدة، إنها حالات واستراتيجيات تنتمي إلى أنواع كثيرة وتقوم بها أطياف عديدة ولا تتوخى أسلوبا واحدا ولا تتبع منهجا مشتركا بل إنها لا تمتلك هدفا بعينه لوجودها فهي تتحرك فوق برك من الوحل وأراضي ملغمة وتقطن فوق حقل من القوى المتصارعة والمتحركة.

يقول ادغر موران :

« Pire، il est possible qu’une nouvelle grande barbarie déferle et qu’il nous faille abandonner tout espoir d’hypercomplexité. Mais، même alors، amour fraternel، intelligence consciente، là où ils seront à l’œuvre، constitueront non seulement la véritable résistance، mais le resourcement et le recours permanent dans la lutte interminable contre la cruauté. »[4]

لكن ماذا تعني بالنسبة إلينا في الحضارة العربية الإسلامية " فلسفة المقاومة "؟

ما المقصود بقيام المقاومة من وجهة نظر عربية إسلامية؟

إذا عدنا إلى لسان العرب نجد المصطلحات والدلالات التالية:

- المقاومة إقامة أي سكن ومرابطة ومكوث دون مبارحة مهما كانت الضغوط.

- المقاومة هي من صنع قوم أي أمة وملة وجماعة للدفاع عن حقها في الحياة.

- المقاومة تنطلق من مقام أي أرض وإقليم ووطن تصون سيادته من كل انتهاك.

-المقاومة هي فعل قيام أي نهوض وحركة وهبة واحدة للجسد الواحد ضد الرضوخ و الاستسلام.

- المقاومة هي استقبال للقيامة أي البعث والمعاد والنشور بالخروج من الجحود إلى الشهود.

نحصل عن النتيجة التالية: "المقاومة هي إقامة قوم في مقام من أجل القيام ليوم القيامة".

من هو المقاوم؟ و بعبارة أخرى من ذا الذي يستحق اسم المقاوم؟

كلنا نقاوم وليس هناك استثناء في فعل المقاومة وكل متخل هو مقعد ولا ينتسب إلى هذه الأمة إلا من الواجهة الخلفية، والمقاوم هو الإنسان الحر حرية فردية مطلقة الذي يعمل من أجل دنياه وآخرته ومن أجل مقامه وقومه وهو الذي استطاع أن يعيد وحدة الفكر والقول والعمل إلى بنية شخصيته فأصبح يفكر كما يريد و يقول ما يفكر فيه ويعمل كما يقول ثم لا تكون عاقبة عمله غير الخير والمنفعة للناس والبر بهم. اذ " تقتضي ثقافة المقاومة التوحيد بين المستويين، القول والعمل، الفكر والوجدان، الداخل والخارج، من أجل توحيد شخصية المقاوم وتوحيد طاقاته فيصبح كالسيف القادر على القطع دون أن ينكسر الحد."[5]

لكن نقاوم بماذا؟ ماهي أدوات المقاومة؟

الجهاد والكفاح والثورة من أجل التحرير والاستقلال.

الإصلاح والمعارضة الراديكالية من أجل التنمية والتجديد والتوحد.

الثورة الثقافية والفكرية من أجل التحضر والإبداع والتطوير.

إن المقاومة عمل متكامل يقترن فيه القلم بالسيف ويشترك أثناءه الدعاء باللسان مع العمل بالجوارح والتصديق بالقلب ويرتبط عنده التضحية بالمال بالمغامرة بالنفس. تبدأ من الإنسان والمجتمع والأرض والدولة وتنتهي إلى العلم والفكر والمعرفة والايديولوجيا.

لابد إذن أن يشتمل فعل المقاومة على المنظومة الرباعية التالية: اللغة والقوم والدين والفلسفة.

استعادة لغة الضاد من جهة توهجها الروحي استعمالا وتكلما وخلقا وترجمة ما تحويه اللغات الأجنبية إليها هو فعل مقاوم.

أن ننظر إلى العرب على أنهم قومية موحدة وأمة واحدة وننادي بتكوين وطن عربي واحد يكون كالبنيان المرصوص والجسد الواحد من خلال مفهوم الهوية القصصية القرآني هو فعل مقاوم.

التمسك بالدين الإسلامي الحنيف وقراءته قراءة ثورية تقدمية على ضوء حاجيات العصر والنهل من معينه الذي لا ينضب للرد على التحديات هو فعل مقاوم.

 " وأفضل للمقاومة الآن جعل العمل جزءا من الإيمان. فمن لا عمل له لا إيمان له. ومن يكتفي بالتعاطف مع المقاومة الفلسطينية ( واللبنانية) يؤيدها بالدعاء بالنصر ويشجب قسوة العدو فإن إيمانه ناقص…"[6]

أن نعتز بالفلسفة العربية وننظر إلى ما أنتجه أجدادنا من علوم وصنائع بعيون الإعجاب والافتخار وأن نعمل على تحقيقها ونقدها واستئنافها على أسس ومناهج جديدة هو نوع من المقاومة.

ماهي مقاصد المقاومة؟ فنحن نقاوم من أجل ماذا؟ هل المقاومة فعل عبثي يائس من مداومته ونجاحه أم أنها مشروع مستقبلي وتأسيسي يحرر الحياة حيثماهي أسيرة في المعمورة؟

إننا نقاوم من أجل:

- فداء الوطن وجهادا في سبيل لله.

- التضحية من أجل الآخر الانساني بالدفاع عن حقه في حياة عادلة وكريمة وآمنة مع المحافظة على الوجود الذاتي.

- الدفاع عن العقيدة والأرض والوطن ومقدرات الأمة.

- من أجل لاشيء، المقاومة فعل منزه عن كل غرض ، فهو غائية دون غاية.

- تحقيق العهد الذهبي للأمة وهو موعود به في المستقبل أكثر منه متحقق في الماضي.

- الوصول بالأمة إلى الرباط والوحدة والاعتصام بالعروة الوثقى،" فالبيت المنقسم لا يقوم".

لكن لابد من التمييز بين مجموعة من المصطلحات المتقاربة والملتبسة والتي هي كلمات حق أريد بها باطل مثل: التخريب والمقاومة،التعصب والانتماء، الإرهاب والعنف المشروع (حق الرد)، المحاف

المزيد


فى ذكرى إنتفاضة 18 و 19 يناير 1977

يناير 18th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , ثقافة المقاومة

فى ذكرى إنتفاضة 18و19 يناير 1977 

 فخ التبعية : مصر وصندوق النقد الدولي 

   عبد المجيد راشد

تعتبر مصر من الدول المؤسسة لصندوق النقد الدولي عام 1945 ، وقد بلغت حصتها وقت التأسيس ما يعادل 45 مليون دولار . ولكنها رفعت أكثر من مرة تمشياً مع الزيادات العامة في حصص الأعضاء التي يقررها الصندوق دورياً ، وقد حصلت مصر على موارد من الصندوق لتمويل عجز المدفوعات .

وفي مايو عام 1962 وقعت مصر أول اتفاق للتثبيت مع الصندوق ، وكان ذلك في أعقاب تدهور محصول القطن وانخفاض حصيلة البلاد من النقد الأجنبي عام 1961، وبمقتضي هذا الاتفاق يقدم الصندوق لمصر تسهيلات قدرها 20 مليون جنيه إسترليني وفي مقابل ذلك التزمت الحكومة المصرية بتخفيض الجنيه المصري من 2.24 دولار إلى 2.30 دولار للجنيه مع توحيد سعر الصرف لجميع المعاملات عدا رسوم العبور في قناة السويس ورواتب المبعوثين من الطلبة للخارج ، كما تضمن الاتفاق أيضاً رفع أسعار الفائدة المحلية وإتباع سياسة تقشفية . [1]  

على أن المرحلة الحاسمة في علاقة مصر بصندوق النقد الدولي بدأت مع منتصف السبعينات ، ففي مايو 1974 ، بدأ صندوق النقد الدولي دوره في تكييف الإقتصاد المصري في حقبة الإنفتاح ، وتزامن ذلك مع بدء تدشين سياسة " الإنفتاح" إقتصادياً بموجب القانون 43 لسنة 1974 . ففي البدء ، تدخل الصندوق في الإقتصاد المصري من خلال مسلك الإقراض لعلاج عجز ميزان المدفوعات وسداد متأخرات القروض ، فقد أشار تقرير البعثة التي زارت القاهرة وقتها إلى العجز في ميزان المدفوعات وتراكم المتأخرات ونصح بأن الأمر يتطلب "إصلاحاً" جذرياً للقطاع الخارجي ليكون مدخلاً للإصلاح الاقتصادي و "بالتحديد" طلبت البعثة أن يتسع نطاق السوق الموازية للنقد الأجنبي اتساعاً كبيراً كخطوة رئيسية نحو إنشاء سعر معدل وحيد للصرف عند مستوي واقعي ، وإعادة هيكلة الأسعار في قطاعات التجارة الداخلية والخارجية.[2]  

كما تم في هذه المرحلة تكوين ما يسمي "المجموعة الاستشارية لمصر" وهي تكتل من الدائنين"، ومقدمي المساعدات، الغرض منه فرض سياسات وأولويات اقتصادية معينة مقابل تقديم الموارد المالية. وقد لعب صندوق النقد الدولي دوراً بارزاً في مداولات وإجتماعات المجموعة الاستشارية لمصر وقد طالب الصندوق مصر بضرورة اتخاذ " خطوات جادة للإصلاح الاقتصادي " وتمثلت إستجابة مصر لهذه المطالب في خطابي النوايا اللذين قدمتهما للصندوق في مايو 1976 ويونيو 1978 . كما اقتضي الأمر أيضا استئناف المشاورات السنوية طبقاً للمادة الرابعة من إتفاقية الصندوق ، وتعيين ممثل مقيم للصندوق في مصر[3] . ويمكن رصد عملية التكييف التي أخضع صندوق النقد، الاقتصاد المصري لها من خلال استعراض خطابات النوايا التي قدمتها الحكومة في مصر لصندوق النقد. وقراءة خطابي النوايا (76 - 1978) تفصح عن الآليات الآتية :

(أ) تفضيل الزراعة على الصناعة.

(ب) تفضيل القطاع الخاص على العام.

(ج) تفضيل الأجنبي على الوطني.

(د) تفضيل الأنشطة التجارية على الأنشطة الإنتاجية.

(هـ) تغليب قوي السوق على التخطيط. [4]

ومن الأهمية أن نتوقف قليلاً عند تحليل مضمون خطابي النوايا في (76- 1978) [5]

أولاً: خطاب النوايا لعام 1976 : 

صدر هذا الخطاب في مايو 1976 … ويتضمن الخطاب برنامجاً "للإصلاح الاقتصادي" مدته سنة واحدة في إطار ترتيب مساندة من الصندوق بمبلغ 125 مليون من وحدات السحب الخاصة (قيمة الوحدة 1.2 دولار أمريكي). ويبدأ الخطاب بتبنيات الإنجازات التي تمت وفي مقدمتها عملية الإصلاح الإداري التي تستهدف لا مركزية اتخاذ القرارات وجعلها أكثر استجابة لقوي السوق . ومن هذه الإنجازات أيضاً تعديل قانون الاستثمار وزيادة إمكانية حصول المصـريين على السـلع المستوردة (فقرة 2) … ويلاحظ أيضاً الحرص على تأكيد أن الإجراءات التي اتخذت أو تلك التي ستتخذ بالفعل هي بمثابة إشارة لكل من المصريين والمجتمع الدولي، وأن الحاجة ستكون مستمرة للعون الخارجي (فقرة 5) . والقاسم المشترك وراء كل هذه العناصر هو أننا " نخطب ود الخارج" … لذلك فنحن نعدل قانون الاستثمار لتشجيع الاستثمارات الخاصة ونزيد من فرص حصول مواطنينا على سلع الخارج ونرسل الإشارات للخارج ونحتاج إلى العون الخارجي. [6] ويحتوي الخطاب على إجراءات في مجالات إصلاح نظام الصرف وسياسة التجارة الخارجية وتحديد المعاملات الداخلية واللامركزية والسياسة المالية والسياسة النقدية والإئتمانية وسياسة الدين الخارجي والمتأخرات.ففي مجال إصلاح نظام الصرف وسياسة التجارة الخارجية ، يحدد الخطاب هدفاً نهائياً هو توحيد سعر الصرف عند مستوي يعيد للاقتصاد توازنه الخارجي ، وتحرير المعاملات الخارجية من القيود الإدارية وإقامة سوق تجارية جديدة يتحدد فيها سعر مرن للنقد الأجنبي (فقرة 6) وسوف يصبح القطاع الخاص حراً في استيراد السلع دون قيود كمية (فقرة 7) وسوف يسمح لسعر الصرف في السوق التجارية أن يعوم استجابة لقوي العرض والطلب ، بحيث يحفظ التوازن بين كميات النقد الأجنبي المباعة والمشتراه في السوق (فقرة 9)، وسوف يتم تحويل قدر كبير من المعاملات بالعملات الحرة القابلة للتحويل من السعر الرسمي إلى السعر التجاري بما ينطوي على تخفيض فعلي كبير للجنيه المصري مما يساعد بدرجة كبيرة على ترشيد القطاع الخارجي (الفقرتان 10 ، 11) . وسوف يتم إنهاء معظم اتفاقات الدفع الثنائية مع أعضاء الصندوق (فقرة 12) . وفي مجال السياسة المالية:-  يتضمن الخطاب إجراءات لاحتواء الإنفاق الخارجي ولزيادة الإيرادات (فقرة 14) .. ومن إجراءات احتواء الإنفاق الجاري ، تخفيض تكاليف دعم المواد الغذائية بأكثر من 100 مليون جنيه مقابل منح علاوة لنفقة المعيشة لذوي الدخل المحدود قدرها 30 مليون جنيه .. فضلاً عن توقع ضرورة منح زيادة أخرى في الأجور في أواخر السنة حينما تصبح ارتفاعات الأسعار الناتجة عن إصلاح سعر الصرف أكثر وضوحاً (فقرة 14) .

 وفي مجال السياسة النقدية والائتمانية : يتضمن الخطاب أن البنك المركزي قام برفع أسعار الفائدة وإلغاء ضريبة المنبع على مدفوعات الفوائد (فقرة 16) باستهداف تشجيع المدخرات … وكذلك الحد من زيادة الأصول المحلية للقطاع المصرفي (فقرة 17) باستهداف احتواء التضخم.

 وفي مجال سياسة الدين الخارجي والمتأخرات : يستهدف البرنامج المتضمن في خطاب النوايا ، تخفيض الاعتماد على الاقتراض الخارجي إلى مستوي أكثر تناسباً مع الاحتياجات، وبالذات تقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي قصير ومتوسط الأجل بواسطة الحكومة ، وبضمانها ، وقصر الاقتراض متوسط الأجل في مدي أجل استحقاق أطول من 5 سنوات وتخفيض مستوي استخدام التسهيلات الائتمانية قصيرة الأجل للبنوك المراسلة (فقرة 18) . كما يتضمن الخطاب نية التخلص من المتأخرات السابقة بسرعة (فقرة 19) .

ولعل أهم ما إحتواه خطاب النوايا و المتعلق بموضوع هذه الدراسة ، التعهدات موضوع الفقرات 20 - 22 ، فالفقرة (20) تسلب مصر تماماً قدرتها وحريتها في تعديل نظام الصرف أو فرض قيود جديدة أو تشديد القائم منها على المدفوعات والتحويلات للمعاملات الدولية الجارية ، كما تحرم عليها الدخول في أية اتفاقيات ثنائية للدفع ، وإذا أخلت مصر بتعهداتها والتزاماتها الواردة في الفقرات 9 ، 11 ، 17 ، 18 ، 19 ، 20 ، فلن تستطع الحصول على أية موارد من الصندوق طبقاً لترتيب المساندة ، كما أنها ملزمة بنص الفقرة 22 من خطاب النوايا بالاستجابة لطلب المدير المنتدب للصندوق بالتشاور متي رأي ذلك. [7] وجدير بالذكر في هذا المقام أن السياسات الاقتصادية التي طبقت وفقاً لهذا البرنامج وطبقاً لما ورد في خطاب النوايا (1976) كانت السبب الرئيس في انتفاضة الشعب المصري في 18 و19 يناير 1977 . فقد كانت الاحتجاج العملي من جانب الجموع الغفيرة من الشعب على محاولة تحميلهم هم بعبء التكيف الاقتصادي المطلوب في إطار وصفة صندوق النقد الدولي . ففي إطار اتخاذ إجراءات تنفيذية لخطاب النوايا … بعث " بول ديكي " ممثل صندوق النقد الدولي بالقاهرة – بمذكرة سرية وشخصية إلى الدكتور "زكي شافعي" وزير الاقتصاد - جعل عنوانها " بعض الأفكار حول مسألة الإصلاح الاقتصادي " وفي هذه المذكرة أوضح "ديكي" أن الحاجة أصبحت ماسة لبعض الإجراءات الحازمة ، ومن ضمنها تخفيض سعر الجنية المصري (ما أصبح يسمي تأدباً توحيد سعر الصرف) ، إلى جانب رفع - أو تخفيض - الدعم على بعض السلع الضرورية التي كانت الحكومة لسنوات طويلة تقوم بدعمها لصالح سواد الشعب (بين هذه السلع السكر والخبز والسكر والوقود وبعض أنواع الأقمشة الشعبية)  إلى جانب ما تضمنه خطاب النوايا من تعهدات … وأدت مقترحات "ديكي" إلى شعور بالقلق العميق لدي الدكتور "زكي شافعي" وزملائه في المجموعة الاقتصادية داخل مجلس الوزراء ، وأبدوا بعض الاعتراضات . وكان بين ما حاولوا شرحه لممثل صندوق النقد  الدولي ، أن مصر تحولت في حقيقة الأمر من دولة مصدرة إلى دولة مستوردة ، فإذا جرى تخفيض قيمة الجنيه المصري ، فمعني ذلك ببساطة أن فاتورة الواردات سوف ترتفع . ولقد كانت الرعشة تصيبهم حين يتصورون ما يمكن أن

المزيد


ثقـــافة المقاومــــــة

يناير 17th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , ثقافة المقاومة

  ثقافة المقاومة

رجاء الناصر

الإهداء

إلى الاستشهاديين .. إلى الشهداء المظلومين ..

إلى الشهداء الأحياء …

إلى الذين ينتظرون الشهادة .. إلى المقاومين .. المجاهدين .. المرابطين في أرض الصمود …

إلى المناهضين والممانعين والرافضين للاستسلام .. إلى جنود الكلمة الحرة .. مثقفي المقاومة والمناهضة …

نهدي هاته الأوراق لتكون مجرد شمعة تساهم بإنارة الطريق .. عوضاَ عن الوقوف على هامش الانتظار … ولعن الظلام . 

 

توطئة :

عندما يعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن أن كسب الحرب على المقاومة العربية يتطلب شن حرب لاهوادة فيها على الئقافة الرائجة في الوجدان الشعبي العربي ، حيث أن هذه الثقافة (( أصولية )) وتشكل حاضنة لتفريخ (( الارهاب )) في إشارة منه إلى المقاومة ، فإن الرد العملي على هذه الحرب هو العمل على تعزيز ئقافة المقاومة ، التي تشكل حصناً أخيراً للوجود العربي وللثقافة الاسلامية ، ومقاومة الاختراق الثقافي الذي يعمل على التسلل إلى منظومة أفكارنا وغزو عقولنا باسم العولمة .

لقد تمكنت ثقافة المقاومة مع الثبات في ميدان الصراع مع المحتل الخارجى ولم تستطع ثقافة الطاعة أن تخترق إرادة المقاومة، لكن ما يواجه العرب اليوم في ظل الحلف الأمريكي- الصهيوني هو أخطر التحديات التي مرّت بهم حتى الآن، وهذا ما يدعو لليقظة ولبذل الجهد المضاعف لمنع الغزو الثقافي الصهيوني- الأمريكي من تحقيق أهدافه ما نقدمه في هذا الكتيب من أوراق ، هي مساهمة صغيرة في معركة المقاومة الثقافية ، نأمل أن تكون شمعة أو بصيص ضوء في هذه المعركة الكبرى .


 

 

[ الثقافة حصن المقاومة ]

الغزو الثقافي الصهيوني مظاهر ومخاطر

 

رغم حالة الجمود في عملية الهرولة المعلنة نحو التسريع في إقامة علاقات تطبيعية مع الكيان الصهيونى في مرحلة ما بعد استلام الليكود للسلطة في الكيان الصهيوني ، وفي ظل الانتفاضة الشعبية العارمة والمجازر الوحشية اليومية التي ترتكبها قوات الاحتلال ، وهو جمود نسبي حيث استمرت هذه العلاقات سراً في كئير من الحالات . إلا أن هذا الجمود العارض لا يلغي ما شهدته الأعوام السابقة من تسارع في " إجراءات التطبيع " مع العدو الصهيوني على أكئر من صعيد، وعلى امتداد الوطن العربي ، ووصلت إجراءات " التطبيع " إلى أطراف الوطن العريي القصوى ، موريتانيا في أقصى الغرب ، وقطر في أقصى الشرق، وجيبوتي في أقصى الجنوب. وهو تطبيع سياسي تمثل في إقامة علاقات دبلوماسية (مكاتب اتصال) واقتصادية عبر المشاركة في مؤتمرات اقتصادية إقليمية كمؤتمر عمان الاقتصادي ومؤتمر برشلونة المتوسطي، وتبادل تجاري كمشروع الغاز القطري، والمئاث من المشاريع الأردنية الصهيونية ، وتطبيع نفسى من خلال ، تنشيط السياحة وإلغاء التخاطب بعبارة العدو في معظم وسائل الإعلام العربية الرسمية وزيارات للتعزية بمقتل إسحاق رابين رئيس وزراء العدو، وتطبيع ثقافي عبر إلغاء تعديل المناهج التربوية في الأردن والكويت وغيرها بحيث الغيت منها ثقافة الجهاد والمقاومة وكل مظاهر العداء التاريخى ببن العرب والصهاينة أو بين المسلمين واليهود .

 

الملاحظة الأولى على هذه الإجراءات والمواقف :

 

        أنها فى معظمها لاتنطوي على مصلحة للطرف العربي، كما أنها لم تأت نتيجة تطور طبيعى في العلاقات أو حتى خشية على مصالح آنية أو مستقبلية ولا حتى بتأثير الضغط والإكراه المادي أو المعنوي للعدو الصهيوني . إنما جاءت تحت تأئير الضغط الأمريكي المباشر أو غير المباشر. مما يؤكد على أن معركة التطبيع مع العدو الصهيوني ليست حركة صهيونية/ عربية وإنما هي معركة أمريكية وغربية في مواجهة العروبة والاسلام  وهو أمر يجرى إغفاله عمداً لدى الكثير من النخب السياسية، والثقافية ويتم إغفال دور الولايات المتحدة الأمريكية في الصراع العربي/ الصهيوني الذي يجري تحويله إلى مجرد نزاع قابل للتسوية عبر التفاوض ، هذه السياسة التي تسمح بالانتقال الهادئ في عملية تحول الصراع إلى نزاع والنزاع إلى تسوية ، من خلال عدم التصادم مع السياسة الأمريكية التي أصبحت قوة مهيمنة على العالم بشكل منفرد وعدم التصادم مع رموزها الداخلية في المنطقة من رجال حكم وأصحاب أعمال ومراكز تأئير وتوجيه إعلامي إلخ….

 

في مواجهة هذه الهجمة التطبيعية المبرمجة بإحكام وإتقان وتوزيع أدوار برزت المقاومة الشعبية في جذرها المتناثرة على جبهاتها المتعددة، وفي مقدمتها المقاومة الجهادية في جنوب لبنان، وداخل فلسطين المحتلة ، والصمود الشعبي والمواجهة لعمليات "التطبيع " الاقتصادى والنفسي ، والمقاومة المستمرة تحت الغطاء الثقافي ، وهي مقاومة عفوية في معظم الأحيان، ويجري تمييعها في أحيان أخرى من خلال الدور المشبوه الذي تلعبه بعض القوى والشخصيات الوسطية التى تتسلح دائماً بعبارات الواقعية والقبول من الرأي العام الدولي وتجميع القوى على الحد الأدنى المشترك أو على أقل المواقف مقاومة ومعارضة، لقد تمكنت عمليات مقاومة العدو بكافة أشكالها وصيغها من منع تحول السلام الصهيوني إلى سلام دافئ وبقي هذا السلام محاصراً بالكراهية والرفض الشعبيين ، وهو رفض يجب تحصينه باستمرار حثى يمكن له أن يمتص هذه الهجمة التي تسجل المزيد من التقدم مع انهيار قلاع الصمود العربي الرسمى وانهيار مقاومة النظام الحاكم رغم إدراكه أنه في هذا الانهيار لن يخلق مبررات شرعية جديدة لاستمرار وجوده في السلطة بل على العكس تماماً إذ هو يتخلى عن بقايا تلك المشروعية على فرض وجودها.

 

عملية التحصين المطلوبة تتطلب تعميق و تصليب ثقافة المقاومة وتجذيرها بين الجمهور- وسط عملية تشويه قسري وعنفي يتمثل بما يسمى بالحرب على الإرهاب- حتى تتقوى ردود فعله العفوية وتتمكن من مواجهة الهجمة "التطبيعية" وهنا يعود السؤال ليتكرر عن ماهية الهجمة " التطبيعية " الدائرة رحاها على امتداد الوطن العربي ؟. وهل هي حقاً هجمة ثقافية ونفسية أم أن جوهرها هو الصراع العسكري والاقتصادي ، وهل مقاومة الغزو الصهيوني ثقافياً هي معركة وهمية يقودها متقفون مترفون يبحثون عن دور في ظل غياب قسري عن المشاركة السلطوية في النظام العربي الراهن؟.

 

حتى يستقيم الجواب على هذه التساؤلات نؤكد أن المقاومة الثقافية ليست هي نتاج الأعمال الأدبية وحدها كالقصة أو القصيدة أو المقالة، واللوحة الفنية، بل هي كل فعل يستند إلى منظومة فكرية، فالمقاومة المسلحة هي نتاج فكر جهادي و يعزز قيمة الوطن ويعلي قيم الحق والعدل والخير، والمقاومة الاقتصادية أيضاً تقوم في إحدى جوانبها على هذه القيم حين يقرر الفرد تحمل خسارة اقتصادية لمنع الربح عن خصمه إضافة إلى إعادة بناء مفهوم المصلحة ذاته بما يعزز قيم ثقافية محددة تتجاوز المعيار المادي الكمي الآنى، وحتى في مجال الأبداع الأدبي لا يستطيع أحد أن ينكر قيمة هذا الابداع في تعزيز الجوانب المعنوية التي تعتبر هامة في إدارة الصراع وفي تحديد ومعرفة مكامن القوة المستخدمة لدى المتصارعين ، من هنا كانت أهمية الشعراء في الحروب القديمة ، وأهمية التحريض الإعلامي والتعبئة العقائدية والفكرية والسياسية في الحروب الحديثة. بعد هذا تبقى التساؤلات المشروعة عن المظاهر الثقافية في الصراع العربي/ الصهيوني، وعن الثقافة الصهيونية، في وقت يبدو فيه المجتمع داخل الكيان الصهيوني ليس موحداً وفق منظومة ثقافية واحدة ، كما كان يعتقد البعض ، فهناك العلمانيون و المتدينون، ودعاة السلام ؟ والشرقيون والغربيون ، وهو ما ينفيه آخرون.

 

      مشروعية التساؤلات المطروحة والتي سنركز عليها بعد هذا التقديم المطول تتعلق بطبيعة الثقافة الصهيونية وحدود المخاطر التي تشكلها على الثقافة العربية وكيف تتبدى معالم الغزو الثقافي وماهية طرق مواجهته؟.

 

أولاً مظاهر الاختلاف بين الثقافتين العربية والصهيونية :

 

        لما كانت الثقافة هي مجمل النشاطات وأنماط التفكير والمورثات الذهنية لمجتمع ما، فإن الثقافة الصهيونية هى مجمل النشاط وأنماط تفكير هؤلاء اليهود الذين يتبنون الفلسفة الصهيونية الأساسية بشأن المسألة اليهودية وأسلوب حلها، وينفذون الواجبات المفروضة عليهم بفعل المبدأ الصهيوني الذي تتحد أهدافه وفق مقررات المؤتمر الصهيوني السابع المنعقد في القدس عام 1968 والتي تضمنت :

 

وحدة الشعب اليهودي ومركزية " إسرائيل " في حياته وتجميع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي- أرض "إسرائيل "- عن طريق الهجرة من مختلف البلدان والحفاظ على هوية الشعب اليهودي من خلال رعاية التربية اليهودية أينما كانت ، وتقوم هذه الثقافة على أسطورة شعب الله المختار هذه الأسطورة العنصرية التي تستدعي بالضرورة احتقار الشعوب الأخرى ورفض الاندماج بها ، حيث باقي الشعوب هي من الغوييم أي الأغراب والبهائم المسخرة لخدمة الشعب المختار، وهذا التقسيم له منظومة أخلاقية حيث العدل والإخاء والمساواة محصورة داخل هذا الشعب وخارجة عن الأغراب . لكن هذه المنظومة الثنائية معرضة للاختراق وهذا ما حدث فعلاً حين تم تدنيس قاعدة عدم جواز قتل يهودي من قبل يهودي ، عبر اغتيال إسحاق رابين ، وهو اختراق تم بتأثير هذه الثنائية، حيث أدت قاعدة جواز قتل الغوييم واستعبادهم وطردهم من أرض الميعاد، إلى تطبيقها على

المزيد