فى ذكرى ثورة يوليو

يوليو 20th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , عروبة و إسلام

 

عبد المجيد راشد


ثورة 23 يوليو

والنهضة الثانية لمصر

قامت ثورة 23 يوليو في مصر العربية عام 1952 في وقت كان العالم فيه قد دخل عصرا جديدا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وكان الوطن العربي فيه قد بدأ مرحلة جديدة شهدت تدفق موجة التحرير فيه وفي أجزاء واسعة من قارتي آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، كما شهدت حدوث نكبة فلسطين عام 1948، وكانت مصر العربية فيه تعيش جيشانا ينذر بتفجر ضخم وحملا يبشر بولادة جديدة.

فعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية كان خارجا من حرب ضروس انطوت على مآس وفواجع لم يعرف التاريخ لها مثيلا من قبل، وانطوت في تضاعيفها على ثورة ضخمة هي عند البعض أكبر ثورة عرفها الإنسان منذ فجر تاريخه في اتساعها.

وتصدرت في هذا العالم المعاصر دولتان أعظم هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، بعد أن أنهكت الحرب بريطانيا وفرنسا وبقية دول أوروبا الاستعمارية، وبرزت هاتان الدولتان كقوى جديدة، وأصبح من الملامح الواضحة للصورة الدولية حالة التوتر والخوف المعروفة باسم الحرب الباردة القائمة بين الدولتين الأعظم في ظل مجمع للدول العالمية الكبرى تمثله الأمم المتحدة[1]

أما عن صورة مصر الاقتصادية والاجتماعية عشية ثورة 23 يوليو والتركة المثقلة التي تسلمتها القيادة الثورية ليلة استيلاءها على السلطة، فيمكن في ايجاز شديد أن ترسم الملامح الأساسية لتلك الصورة على النحو التالي:-

1- السيطرة الاستعمارية:

فلم تكن السيطرة الاستعمارية احتلالا عسكريا فحسب، بل أن الثمانين ألف جندي بريطاني كانوا في الواقع يحرسون عملية استغلال اقتصادي بشع يتولاها الاستعمار العالمي.

فكان النظام المصرفي بأكمله، ابتداء من البنك المركزي "البنك الأهلي" حتى اصغر بنوك الرهونات، تحت سيطرة راس المال الأجنبي، وكذلك كل نشاط التأمين في مصر، ومعنى ذلك أن المال - عصب الحياة الاقتصادية- لم تكن تحكم حركته قرارات مصرية، ومعناه أيضا أن مدخرات المصريين التي كانت تتجمع لدى البنوك وشركات التأمين كانت تحت تصرف الأجانب، يحولونها إلى الخارج أو يوجهونها لتمويل نشاط الأجانب المتمصرين في مصر، ولم يكن يحظى بقروض البنوك من المصريين إلا الإقطاعيين وكبار الرأسماليين المرتبطين بالمصالح الأجنبية، حتى يستطيع الاستعمار من اخذ نصيبه مما استولى عليه أعوانه من عرق الفلاح والعامل المصري، وهكذا كان طريق التنمية مسدودا أمام الرأسمالية الوطنية التي كانت تعانى الأمرين في الاقتراض من البنوك الأجنبية، بل أمام الدولة ذاتها التي لم تكن تملك - حتى لو أرادت- الموارد الكافية لتمويل أي برنامج إنمائي.

كذلك كانت التجارة الخارجية حكرا على الأجانب وقلة من المصريين تدور في فلكهم، فأهم الصادرات وهو القطن (حوالي 85% من الإجمالي) بيد بيوت التصدير الأجنبية التي كانت تسيطر في نفس الوقت على المحالج والمكابس، والواردات تمر حتما بالتوكيلات المحلية للشركات الأجنبية، ووكالات الاستيراد "والقومسيونجية" وكانت التجارة الخارجية تمثل في ذلك الوقت حوالي 50% من الدخل القومي، ومعنى ذلك أن نصف الدخل القومي لا تؤثر فيه يد وطنية ولا سياسة وطنية.

وكانت مصادر الطاقة - وهي أساس التصنيع وتطوير الزراعة- بيد الأجانب، فاستخراج البترول احتكار لشركة شل واستيراد البترول ومنتجاته وتوزيعها بيد شركات البترول العالمية أو فروعها المحلية، ومحطات الكهرباء الحرارية الهامة بيد شركات فرنسية أو بلجيكية.

وكان للمصالح الاستعمارية الوزن الأكبر في قطاع النقل فقناة السويس دولة داخل الدولة وشركات النقل البحري والنقل النهري يسيطر عليها الأجانب، والنقل العام بالقاهرة تحكمه شركة بلجيكية والنقل الجوى يساهم فيه البريطانيون.

وكان الجزء الأكبر من الصناعة - رغم نموها المحدود- بيد الأجانب أو ساهم فيه الأجانب المتمصرون، حتى صناعة النسيج المصرية التي أقامها بنك مصر، دخلت مرحلة التعاون مع راس المال الأجنبي.

وكان للأجانب والمتمصرين النصيب الأساسي في التجارة الداخلية فتجارة الداخل في القطن يشارك فيها الأجانب وخاضعة لتوجيهات بيوت التصدير الأجنبية والبنوك الأجنبية التي تمولها وتجارة الجملة - حتى في منتجات الصناعة المصرية- يسيطر عليها أجانب ومتمصرون، والمحلات التجارية الكبرى كلها محلات أجنبية، ورغم اعتماد الاستعمار في استغلال الفلاحين أساسا على طبقة كبار الملاك والإقطاعيين، فقد دخل بعض الأجانب في مجال الزراعة، ففي سنة 1950، كان من بين الستين شخصا الذين يملكون أكثر من ألفي فدان ويسيطرون على 5% من إجمالي المساحة الزراعية 18 أجنبيا.

2- الإقطاع:

عمل الاستعمار البريطاني منذ احتلاله البلاد عام 1882 على تأكيد مركز كبار الملاك والإقطاعيين وزيادة عددهم، فأقر لهم القانون بحق الملكية الفردية على أراضى مغتصبة ولم يكن لهم عليها إلا حق الانتفاع , ووزع عليهم أملاك قادة الثورة العرابية، وباع لهم بأبخس الأثمان أملاك الخديوي إسماعيل "الدائرة السنية"،  ومكن لهم من الاستيلاء على أراضى الحكومة بدعوى استصلاحها، وجعلهم العمود الفقري للسلطة السياسية والأجهزة الإدارية، ذلك أنهم كانوا، كطبقة، أداة الاستعمار في إرهاب الفلاح واستغلاله.

أما عن صورة الإقطاع عشية ثورة 23 يوليو، فقد كان عدد من يملكون أكثر من 50 فدانا يزيد قليلا عن 11.800 فرد، وكانوا يملكون 38% من المساحة المنزرعة، بمتوسط يقارب 200 فدان للفرد الواحد، فإذا أخذنا في الاعتبار ملكية العائلة لما هو معروف من أهميتها في الأوضاع الإقطاعية، وصلت أرقام الملكية إلى حدود خيالية، وكان كبار الملاك الإقطاعيين يسيطرون على الحياة السياسية، فالدستور كان يشترط لعضوية مجلس الشيوخ ملكية أرض لا تقل ضريبتها السنوية عن 150 جنيها.

3- الرأسمالية الكبيرة:

لقد حاولت الرأسمالية الوطنية غداة ثورة 1919 أن تبنى صناعة مصرية وأن تدعم التجارة المصرية وتوجد نشاطا مصرفيا مصريا, ورفعت شعار تفضيل المنتجات المصرية في الاستهلاك وتشجيعها، ولكن الاستعمار - مستعينا بالحكومة- حارب هذه الجهود، وفي الوقت ذاته وارب الاستعمار الباب لعدد من كبار الأثرياء ليشتغلوا بالأنشطة غير الإنتاجية، أو بتلك المرتبطة بعملية الاستغلال الاستعماري لموارد البلاد، تجارة الداخل في القطن، المقاولات، عقود التوريد لقوات الحلفاء، وأمام تصاعد حركة التحرر الوطني في الأربعينات لجأت بعض الشركات الأجنبية إلى استخدام بعض الواجهات المصرية، فاحتل عدد من "الباشاوات" مقاعد مجلس الإدارة، بل واقتنى بعضهم شيئا من أسهم تلك الشركات، وكذلك تحولت فروع بعض الشركات الأجنبية إلى شركات مساهمة مصرية، وسرعان ما رفعت شعار حماية الصناعة المصرية لتفرض الجمارك العالية التي تمكنها من البيع بأسعار مرتفعة، كما دخلت فيما بينها في اتفاقات احتكارية لتحول دون أي انخفاض في الأسعار، وهكذا كانت الرأسمالية المصرية في مجموعها على درجة من النمو ضعيفة إلى حد بعيد، كما كان في داخلها انقسام واضح بين الرأسمالية الوطنية ضحية القهر والاستغلال والرأسمالية الكبيرة

المزيد


عبد الناصر والوحدة العربية

فبراير 21st, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , عروبة و إسلام

عبد الناصر والوحدة العربية

د . نديم البيطار

ليس هناك من مسألة تعبر بوضوح عن طبيعة الفكر الوحدوي العربي (وبالتالي الثوري) الشعائرية والأخلاقية أكثر من موقف هذا الفكر من القيادة الناصرية في الخمسينات والستينات. فالذين كانوا يقاومون هذه القيادة، والذين كانوا يدعون إلى الارتباط بها، وأن كان موقفهم صحيحاً من حيث المبدأ، وإيجابياًًًً من حيث النتائج المباشرة – كانوا ينطلقون من موقف مماثل لا يتميز، من ناحية وحدوية، ليس فقط بأي أساس علمي صحيح بل بأي وعي لضرورة هذا الأساس، أو حتى لوجوده.

هذا الفكر كان، ولا يزال، بعيداً غريباً عن الفرضية العلمية البسيطة البديهية وهي أنه، عند معالجة ظاهرة ما، يجب عليه دراسة هذه الظاهرة قبل إن يعطي أحكاماً معينة حولها. الفكر الوحدوي فكر يفترض به طبعاً الانشغال بالظاهرة الوحدوية وتحديد طبيعتها، أي كيفية الانتقال من حالة تجزئة إلى حالة وحدة. وبما إن هذه الظاهرة ليست جديدة، وبما إن المجتمع العربي ليس المجتمع الأول الذي أراد تجاوز تجزئة معينة في دولة واحدة، وبما إن التاريخ مليء بهذا النوع من الظواهر الوحدوية، كان يفترض بالفكر الوحدوي العربي إن يدرس هذه الظاهرة قبل إعطاء أحكامه حولها. ولكنه بدلاً من ذلك راح يحدد تبشيرياً وشعائرياً الطريق إلى الوحدة فيعطي ويرتجل الحلول دون أي وعي لضرورة الرجوع إلى والانطلاق من الظاهرة الوحدوية، ودراستها قبل القيام بأي تحديد لطريق الانتقال من التجزئة إلى الوحدة. ليس هناك حتى الآن –ماعدا القليل الذي نشرته- من أثر لهذا النمط من التفكير، بل لهذا البَده العلمي، فيما صدر حتى الآن عن الفكر الوحدوي العربي .

غريب، عجيب أمر هذا الفكر الوحدوي الذي يقدم ذاته باستمرار كفكر علمي، ويجتر دائماً وأبداً فكرة "علمية"، "منهج علمي". ولكن دون أي وعي لهذا البَده العلمي البسيط وهو ضرورة دراسة الظاهرة التي تشكل موضوعه قبل إعطاء الأحكام حولها!… أنه فكر بلغ، دون شك، مرتبة في أعلى مراتب الفكر التبشيري. هذه هي المشكلة أو بالأحرى مأساة الفكر الوحدوي العربي (وبالتالي الفكر الثوري ككل). فهو فكر كان حتى الآن عاجزاً عن ؟إدراك، أو استيعاب ومعاناة المنطلق الأساسي للمنهج العلمي الحديث وهو إن الظواهر الاجتماعية والتاريخية تتميز بموضوعية مستقلة عن إرادة ووعي مشاعر الأفراد وأن هناك قوانين أو اتجاهات انتظامية (   uni formities,patterrs ) تسودها.

موقف الذين دعوا إلى الارتباط بقيادة عبد الناصر والذين قاوموا هذه القيادة لم يكن، بكلمة أخرى، ناتجاً عن أية نظرية علمية حول طبيعة القيادة السياسية في تجارب التاريخ الوحدوية والثورية. المشادة بين الطرفين كانت تدور، بشكل، ميتاقيزيقي وأخلاقي حول " ما يجب إن يكون" و" ما هو الأصلح" دون ربط ذلك بما " يمكن إن يكون" . أو بنوع القيادة التي يمكن للأوضاع الثورية والعمليات (processes) الوحدوية إن تفرزها، إن تسمح بها أو تنفتح لها، أي دون أية نظرية حول القيادة التي ترافق تجارب التاريخ الوحدوية والثورية. لو درس هؤلاء هذه التجارب وجدوا بوضوح أنها تفرض "قيادة مشخصنة" تتميز بالسمات العامة التالية وهي:

1-وجود قائد يجسد الحركة الوحدوية والثورية ويرمز إليها.

2-ولاء قوي لشخص القائد.

3-اقتران الولاء للقائد بالولاء للحركة الوحدوية، الثورية، والانطلاق من الأول في التعبير عن الثاني. 

4- إعطاء القائد صفات فريدة، غير عادية، ترتبط درجة التضخيم لها بحدة التناقضات التي تنطوي عليها الأوضاع التي تحيط بها.

5- درجة بارزة من تركيز السلطة في يد القائد ترتبط درجة اتساعها ووحدتها بنوع المخاطر والأزمات التي تحيط بها، جذرية التحولات التي تدعو إليها، وحدة التناقضات المدعوة إلى معالجتها.

إننا نفهم من عبارة " القيادة المشخصنة" أنها قيادة تتميز بهذه الصفات وهي ظاهرة تعيد ذاتها في جميع تجارب التاريخ الوحدوية والثورية. تكررها بهذا الشكل يعني أنها لا ترتبط بإرادة القائد أو الأتباع الواعية، أو بشكل مباشر بهذه الإرادة، بل بطبيعة الأوضاع  التي تحيط بها، وأن ديالكتيك هذه الأوضاع هو الذي يفرضها. هذا يعني بكلمة أخرى إن ظاهرة القيادة المشخصنة تشكل قانوناً عاماً يسود التجارب الوحدوية والثورية، وأن العمل الوحدوي يجب إن يعمل معه وفي ضوئه إن هو أراد إن يمارس أية فاعلية صحيحة، وأن الوعي له والعمل في ضوئه هما الطريقة الوحيدة في الحد من النواحي السلبية التي قد ينطوي عليها. إن الحرية هي "وعي للضرورة".

وجود القيادة المشخصنة في الشكل الذي أشرنا إليه، والذي تقترن فيه بتجارب التاريخ الوحدوية والثورية يعني القيادة الناصرية كانت تعبر عن قانون عام كان يجب العمل معه إن نحن أردنا الوصول إلى دولة الوحدة أو دفع العمل الوحدوي بشكل فعال في وجهة هذه الدولة، وأنها كانت تعبر بشكل خاص عن هذا القانون لأنها استقطبت بشكل فريد في التاريخ ولاء الشعب العربي العارم عبر الحدود الإقليمية، لهذا فإن هذا البحث لن يعرض ما قدمه عبد الناصر من خدمات لقضية الوحدة، بل يقتصر على شيء أبعد وأهم وهو الإشارة  إلى وجود قيادته في ذاتها كأكبر قوة دفع وحدوي آنذاك، وإن العمل الوحدوي الذي لم يدرك هذا كان من ناحية موضوعية، رغم نواياه الوحدوية، عدواً لدولة الوحدة، وبالتالي حليفاً غير واع لقوى التخلف العربي، للإمبريالية ولاحتلال فلسطين. ففي معارضته لقيادة عبد الناصر عارض الطريق التي يمكن لها إن تؤدي إلى الوحدة، الشرط الأول في تحرير فلسطين التغلب على قوى التخلف والإمبريالية.

بما أنه يستحيل في بحث كهذا التدليل تاريخياً على هذا القانون، فأنني أكتفي هنا بالإشارة فقط. في كتاب جديد بعنوان " شخصنة السلطة في تجارب التاريخ الوحدوية" سأقدم الدليل العلمي عليه بعرض  تاريخي عام لهذه التجارب يكشف بوضوح إن هذا النوع من القيادة كان يرافق جميع هذه التجارب، الكتاب سيدل أيضاً على اقتران هذه القيادة بجميع التجارب الثورية، وهي تجارب كانت عادة وفي أهم نماذجها-كالثورة الأميركية، الثورة الفرنسية، الثورة الروسية، الثورة الصينية، مثلاًً –تجارب وحدوية أيضاً. أنه سيصنف، من هذه الناحية، جميع التجارب الديمقراطية الثورية في تاريخ الغرب منذ ألف عام في النماذج التالية : (1) الديمقراطية الدينية في القرون الوسطى والحركة البروتستانتية.2) الديمقراطية اليعقوبية. 3) الديمقراطية الليبرالية. 4) الديمقراطية الشيوعية. 5) الديمقراطية الاشتراكية.6) الديمقراطية النقابية، ويدل كيف أنها كانت كلها تنتهي في قيادة مشخصنة  من هذا النوع، على الرغم من إن المبادئ والمفاهيم التي كانت تنطلق منها كانت تتنكر لها وتؤكد الفردية، والحرية، والاخاء، والمساواة بين الناس، وقدرة الفرد على سيادة مصيره. هذا يعني بوضوح بعض الأسباب الموضوعية التي كانت تفرضها كظاهرة مستقلة عن إرادة الأفراد.

هذا الكتاب سيصدر العام القادم عن"مركز الدراسات العربية"، ويمكن للقارئ الرجوع إليه. ولكن إن كان مجال البحث لا يسمح بعرض ظاهرة شخصنة القيادة في تجارب التاريخ الوحدوية، فإنه يسمح بالإشارة إلى بعض الأسباب التي تفسر ظهورها، ومن ثم بعض الاستنتاجات العامة حول طبيعة الفكر الوحدوي العربي.

هذه الأسباب هي:

1-ضرورة الرموز العينية الحسية للحركات الوحدوية والثورية. النظريات الاجتماعية تفسر الأحداث والظواهر الاجتماعية السياسية بالرجوع إلى اتجاهات وعلاقات موضوعية تربط بينها، وليس بالرجوع إلى قوى إرادية أو شخصية. ولكن بما إن هذه القوى تكون أسهل منالاً وأقرب بكثير إلى إدراك الإنسان لأنها حسية، فإن الرجوع إلى قيادة مشخصنة في تفسير وضبط هذه الأحداث يكون في دوره أسهل واقرب إلى الإنسان.

السبب الذي يفسر ذلك هو إن الناس لا يستطيعون عادة رؤية المعاني والأفكار والمفاهيم في شكلها المجرد، أو بالأحرى الاكتفاء بصورتها المجردة، ولهذا فهم يعطونها الولاء عندما تتجسد في صور حسية.

الارتباط الفكري بعالم المقاصد والغايات والمبادئ التي يتطلع إليها الإنسان يعني جهداً عقلياً مستمراً، وممارسة دائمة للوعي، وهذا عبء فكري ينوء به عادة الإنسان. ولكن الارتباط بهذا العالم عن طريق صور حسية أمر سهل لأنه يقتصر على البصر والسمع ولا يتطلب أي جهد فكري كبير. قد يبلغ الإنسان في المستقبل قدرة جديدة في ممارسة الوعي لا يحتاج فيها إلى هذه الصور الحسية التي تعطيه شكلاً معيناً يحتاجه في ولائه لمفاهيم ومبادئ يؤمن بها، ولكن ما نراه حتى الآن من تجربته الإنسانية التاريخية يدل بوضوح على ضرورة هذه الصورة كي يمكن لهذه المفاهيم والمبادئ إن تتحول إلى قوة اجتماعية تاريخية كبيرة.

القائد الوحدوي والثوري يلخص ويمثل قيم واتجاهات مرحلة معينة، ويجعلها  واضحة للشعب بشكل يستحيل عن طريق العرض العقلاني والدليل العلمي.

هذه التجارب أو الوحدوية والثورية التاريخية تدل بوضوح أنه كي يمكن للناس عامة إن يعطوا ولاءهم الحماسي، إن يكشفوا عن طاقاتهم ويكرسوها في خدمة قضية كبيرة، يجب إن يرتبطوا بقائد-رمز، يشخصن المطامح والتطلعات التي ينشدونها ويتجاوزون بها واقعهم. الشعب يتحرك بكل طاقاته وإمكاناته عندما يوفق إلى رمز من هذا النوع. كل ارتباط بوحدة اجتماعية سياسية كبيرة يحتاج إلى رموز حسية، إذ  دون هذه الرموز يصبح الارتباط. فكرياً محضاً ومسألة مجردة، وهذا ما لا يستطيعه، ويأباه الناس. " بقدر ما يزيد حجم الوحدة الاجتماعية السياسية التي ندرسها، بقدر ما تزيد أهمية العنصر الذاتي أو الرمزي في عملية …. الدمج".

الدولة لا تستطيع إن توفر، في ذاتها، الاندماج السياسي والاجتماعي أو التجاوب الانساني الذي يحتاجه الفرد، لأنها بعيدة جداً عنه، علاقتها به علاقة غير مباشرة وذات طبيعة مجردة.

في غياب القيادة المنظمِّة والمنظمَّة لا يؤدي الاستياء الشعبي إلى أكثر من انتفاضات، قد تكون رهيبة الانفجار والقوة، ولكنها تكون مؤقتة وعابرة، ينفس فيها الشعب مشاعره المكبوتة دون إن تؤدي إلى تغيير جذري للنظام الاجتماعي. قيادة من هذا النوع تكون ضرورية  لإعطاء الشعب المتمرد الوحدة، الاستمرارية والنفس الطويل. ولكنها كي تقوم بهذا الدور، تحتاج هي الأخرى إلى القائد-الرمز الذي يمثل للناس هذه الوحدة الثابتة في صور حسية ملموسة.  

القول إن هذه السمة تقتصر على المجتمعات القديمة فقط قول لا يتميز بأي قدر من الموضوعية، لأن نظرة واحدة على العصر الحديث، ابتداء من القرن السابع عشر، تكشف بوضوح إن ولاءات وانتماءات المجتمعات الحديثة تتمحور باستمرار في صور ورموز حسية.

الإنسان كان يتميز، كما يكتب بيرغر، بعينين طيلة احقاب طويلة جداً قبل إن يتميز بالقدرة على الفكر أو الوعي المجرد، وفي العصر الحديث، عصر المطبعة، القراءة والدراسة، لا تزال الصور الحسية أقوى بكثير من الكتب.

الرمز يعني صورة تبسيطية أو دليلاً حسياً لمجموعة معقدة من التصورات الفكرية أو المفاهيم الايديولوجية. لهذا تلعب الرموز والشعارات دوراً أساسياً ليس فقط في الحياة الثورية أو السياسية، بل في جميع مستويات الحياة. العقل الإنساني يعجز، كما يظهر، عن " الهرب من غريزته العميقة في شخصنة مفاهيمه الفكرية"

هذا النزوع إلى شخصنة التصورات الفكرية كان يعبر عن ذاته تاريخياً في استخدام شتى أنواع الرموز التي تجسد الأمة أو القومية. أننا نجد هذا واضحاً في صور كلاسيكية كبريطانيا، جرمانيا، ايطاليا أو رموز أخرى،"كجون بول" البريطاني، "ميشال" الألماني، طماريان" الفرنسية، "العم سام" الأميركي، أو من ناحية أخرى، في "الأسد" البريطاني، " النسر" الالماني، الديك " الفرنسي، "الدب" الروسي، "التنين" الصيني أو الوالشي، "شجرة الليمون" السلافية، "الشبندر" الايرلندي، الخ… هذه الصور الرمزية كانت تضفي على مفهوم الأمة المجرد شكلاً حسياً يستطيع إن يثير، أكثر من المجردات، المشاعر الحماسية.

شخصنة القيادة تعود إلى نقص في الوعي الفكري،  وهو نقص يتطلب صورة القائد الشخصية التي يمكن لها إن تحول المجردات السياسية إلى مستوى  حقائق بسيطة مفهومة يمكن إدراكها.

الإيمان بقوى شخصية أو إلهية هو أقرب إلى الحياة اليومية من التجريدات الميتافيزيقية والتصورات الذهنية. إننا لا نحتاج إلى جهد فكري كبير كي ننقل إلى كائنات أخرى الإرادة والأفكار التي نلاحظها عادة في الإنسان، فمن السهل جداً عليه إن يرى "أثينا" من إن يرى عالم الأفكار الأفلاطونية، إن يرى "مينيرفا" من إن يرى العقل المجرد، إن يرى المسيح من إن يرى المفاهيم الكنتية، إن يرى ستالين أو ماوتسي تونغ من إن يرى

المزيد


نقاط على حروف الحركة العربية الواحدة

فبراير 19th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , عروبة و إسلام

      نقاط على حروف الحركة العربية الواحدة

           عبد المجيد راشد

http://rashd-karama.maktoobblog.com

1 ـ  مفتتح :

قيمة التاريخ العظمى .. ليست فى تتابع أحداثه .. و مقدرتنا على سرد مشاهده و مراحله و تراكماته .. قيمة التاريخ العظمى تكمن فى قدرتنا على تأمله و إعمال بصيرتنا فى حركته و الإستلهام من دروسه ما يعيننا على تجاوز أخطاء البشر ، رموز و قوى و أفراد ، و التى أثرت سلبا فى مجراه العام من المنطلقات و الى الغايات .. و قدرتنا على رصد النقاط الجوهرية الرئيسة فى ذروة الانتصارات المجسدة على أرض جغرافيا الأمة .

2 ـ   بعض المشاهد :

مشهد الأمة الآن تجاوز ذروة الدراما فى مسلسل حركتها فى التاريخ الحديث ..هو مشهد التيه و الضياع فى صحراء العولمة المتوحشة و مشروع التفيت الطائفى القائم أساسا على تقسيم المقسم و تجزئة المجزأ ، و هو بالطبع ، أخر حلقة تم إنتاجها فى فندق الفيرمونت بولاية سياتل الأمريكية ، و المقر الدائم لقادة العولمة المتوحشة المتغطرسة المتسلحة بشتى أنواع الأسلحة ، من السيطرة على الاقتصاد ، الى الهيمنة على التكنولوجيا عسكرية كانت أو معلوماتية أو استهلاكية ، مرورا بهيمنة على مؤسسات السيطرة المالية و الاعلامية و الثقافية و الاجتماعية و السياسية .

مشهد الأمة الآن ليس وليد اللحظة الراهنة .. و لكنه الحلقة الراهنة من سيناريو الصراع بين الأمة فى تاريخها الممتد ، و بين مشاريع إقليمية حينا  ، و الغرب فى كل الأحايين .. سبقته حلقات متنوعة فى الأدوار و الممثلين و النص .. من الهكسوس و الحيثيين ، مرورا بالروم و الفرس و التتر و المغول و الترك ، وصولا الى الفرنجة بحروبهم الصليبية ، و الفرنسيس  و الانجليز بحملاتهم ، و خروج الغرب من حروبه الأهلية و صراعاته الثانوية بالتوحد فى الهدف المشترك ، الأ وهو أمتنا العربية .. ليست فقط فى ذاتها ، و ان كان هذا صحيح ، و لكن أيضا بإعتبارها قلب الدائرة الاسلامية ، من آسيا و أفريقيا ، و ذات مجد و تاريخ حضارى عربى إسلامى ، و نقاط مضيئة فى مسيرة التاريخ الانسانى .. و هيمنة حضارية امتدت قرون عدة ، و فى قلب أوربا ، فى عصور انحطاطها و ظلامها ، بثمانى قرون فى الأندلس ، نقلتها من طور متخاف مظلم جاهلى ، إلى طور حضارى مبصر متنور متمدن .

وكان طبيعيا أن تكون مصر " الموقع و الموضع " ، اقدر على التجدد الذاتي، ليس فقط بسبب مزايا الجغرافيا والعمق التاريخي الثقافي الممتد عشرات القرون، ولكن أيضا بسبب تزايد كثافة دورها القيادي على مسرح المنطقة بعد تداعى ادوار دمشق وبغداد وتعثر الآستانة، كانت مصر هي التي هزمت حملات أوروبا باسم الصليب التي استمرت مائتي عام، ومصر هي التي ردت بقيادة قطز وبيبرس حملات المغول التي اجتاحت بغداد وأنهت حكم العباسيين، ونقل مماليك مصر إلى القاهرة نوعا من الخلافة الاسمية للعباسيين بدأت بالمستنصر "1361" وانتهت بعزل المتوكل الثالث "1517" على يد السلطان العثماني سليم الأول، ورغم تحولها إلى جزء من الخلافة العثمانية، فقد حافظت على استقلالها التقليدي المستقر منذ دولة احمد بن طولون "835 – 884" ودعم دور مصر أن خلافة الآستانة راحت تترنح أمام ضربات أوروبا بنهضتها البازغة، وبدأت اكبر هزائم العثمانيين اثر محاولتهم احتلال فيينا عام "1683" ونجح الحلف الصليبي الأوروبي في فرض معاهدة "كوشوك" في ابريل 1774 على السلطان عبد الحميد الأول، بعدها فرضت الحماية الأوروبية على المسيحيين في رعايا الدولة العثمانية.

وكانت أوروبا تحاول فتح أبواب مصر لنفوذها خصوصا الاقتصادي منذ القرن السادس عشر وكان ممثلو فرنسا في القاهرة والآستانة يقترحون احتلالها منذ أوائل القرن الثامن عشر، بل أن النمسا كانت تفكر في الاستيلاء على مصر من قبل ذلك.

ففكرة غزو مصر أقدم كثيرا من نابليون في عهد حكومة الديريكتوار، وتعود إلى منتصف القرن السابع عشر وهي أيضا ليست فرنسية فقط، لأن هناك مشروعا آخر روسيا ومشروعا يونانيا، كان دافعهما هو الصراع العنيف مع الإمبراطورية العثمانية، وكانت فكرة غزو مصر هي الحل الاستراتيجي في تلك المشاريع جميعا، لأن ضرب تركيا في مصر هو المفتاح الاستراتيجي السحري، لأن القاهرة في النهاية ستكون الموئل الأخير لو تراجعت تركيا من اسطنبول.

وسوف نجد الرحالة الفرنسي الأب كوبان في كتابه عن " الحروب الصليبية" يدعو إلى نفس الفكرة في منتصف القرن السابع عشر، كما نجدها في مقترحات بعض القناصل الفرنسيين في البلاط العثماني بالآستانة مثل دنيس دي هاى والماركيز دي فوانثيل وجير رواق، ولكن اخطر هذه المشاريع مختلفة المصادر كان هذا المشروع الذي قدمه المفكر الألماني ليبينيز وظل يلح به في مذكراته وخطاباته، وكانت أهم هذه المذكرات تلك الوثيقة التي كتبها باللاتينية مرة وبالفرنسية مرة، ملخصة مرة وضافية أخرى، ففي هذا المشروع يتحول ليبينيز من مفكر يدعو إلى التوفيق بين الأرثوذكسية والكاثوليكية، وبين أرسطو وديكارت، إلى داعية أهوج لفكرة عسكرية جعلته يعكف على دراسة مبررات الحملة وظروفها السياسية والاجتماعية، بل ودراسة الشواطئ المصرية والمسافة بين فرنسا ومصر وسهولة الانتقال بالبحر ومدة الانتقال وعدد التحصينات، وغير ذلك من عوامل "تقدير الموقف" التي يعكف عليها العسكريون بالضرورة.   وقد كتب هذا المشروع الفيلسوف الألماني ليبينيز عام 1672 وأرسله إلى الملك لويس الرابع عشر أقوى ملوك أوروبا و"الملك الشمس" كما كان يوصف وفيه يدعو ألفيلسوف الملك أن يكف عن حروبه الأوروبية مع المسيحية في أوروبا فيعبر البحر إلى مصر، لأن الاستيلاء على مصر سوف يوقف المد العثماني الإسلامي وسط أوروبا ولأن تركيا العثمانية تهدد بولندا والمجر والنمسا.

وقبل ذلك كانت أوروبا الاستعمارية قد حققت نجاحاتها الأولى باكتشاف الأمريكتين عام 1493، وسقطت غرناطة في يد فرديناند وإيزابيلا، اللذان مولا في العام نفسه رحلة كريستوفر كولومبس التي انتهت باكتشاف أمريكا، ثم تمت لها السيطرة على الشرق الأقصى بعد اكتشاف طريق راس الرجاء الصالح، ثم نجحت أوروبا في تقليم أظافر القوة العثمانية، بعدها اتجهت أوروبا الاستعمارية بميراثها الصليبي لاحتواء القلب العربي الإسلامي، وكانت حملة نابليون طليعة الزحف، ورغم أن المقاومة البطولية للشعب المصري نجحت في صد الحملة ألفرنسية ثم الحملة الإنجليزية بعدها، إلا أن اثر الحملة ألفرنسية بالذات ظل باقيا يدغدغ الخيال النهضوي في مصر، فقد جاءت الحملة الفرنسية ومعها لمحات عن العلوم الحديثة التي طورتها الحضارة الأوروبية "نقلا وإضافة للإبداع الحضاري العربي الإسلامي" وجاءت معها بالأساتذة الكبار الذين قاموا بدراسة أحوال مصر والكشف عن أسرار تاريخها القديم.

وكان ذلك تحديا استفز استجابة تقابله، وقال الشيخ حسن العطار : "أن بلادنا لابد أن تتغير، ويتجدد فيها من العلوم والمعارف ما ليس فيها" وجاءت تجربة محمد على لتضع أمنية شيخ النهضة في الممارسة والتطبيق.

 

و تدور عجلة التاريخ ، ليتوحدوا فى مواجهة مشروع اليقظة الأول فى عصرنا الحديث ، بعد وراثة محمد على الفعلية و العملية و الواقعية لإمبراطورية الرجل المريض ،فقد كان محمد علي باشا - إذن- صاحب مشروع سياسي نهضوي يهدف في المقام الأول إلى بناء قاعدة عسكرية وسياسية حديثة ذات شأن تقي المشرق العربي عدوان الغرب لا عن طريق المواجهة وإنما عن طريق التزود بأسباب المنعة والقوة التي تحقق نوعا من توازن القوى مع الغرب وتجعل الأخير يتعامل مع الدولة العثمانية معاملة الند للند، لذلك فقد سعى إلى أن يقيم في مصر "دولة نموذجية" حديثة توفر له فرصة إقامة دولة إسلامية قوية من خلال تطبيق نموذج مصر على الدولة العثمانية ذاتها، فقد صرح يوما لبعض خلصائه برغبته في الوصول إلى الآستانة، وخلع السلطان وتولية ابنه الصبي وتنصيب نفسه وصيا عليه لتتاح له فرصة إصلاح الدولة كلها، وهكذا كانت مصر - عند محمد علي- قاعدة انطلاق لمشروع سياسي إقليمي يعتمد على بناء قوة عسكرية كبيرة حديثة، وبناء مثل هذه القوة يحتاج إلى موارد مالية ضخمة تقصر دونها خزانة والى مصر التي كانت تعتمد على الخراج والمكوس، ولا يستطيع محمد علي أن ينشد تلك الموارد من مصادر خارجية كالآستانة مثلا، فقد جعله الحرص على إستقلال قراره السياسي ينفر من فكره الإستدانة ويرفضها عندما عرضت عليه في العقد الأخير من حكمه، فلا مفر أمامه من أن يدبر الموارد اللازمة لمشروعه السياسي من مصر ذاتها وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا إذا إستطاعت "الدولة" أن تضع يدها على موارد البلاد كلها، تديرها وتنميها بالقدر الذي يوفر الأموال اللازمة لبناء القوة العسكرية الحديثة، بما تتطلبه تلك القوة من مؤسسات إنتاجية وخدمية، ومن ثم كانت السياسات الإقتصادية التي نفّذها محمد علي - تدريجيا- وإنتهت بوضع الإقتصاد تحت إدارة السلطة المركزية وتعبئة الموارد لخدمة المشروع السياسي الإقليمي وإدخال تغييرات هيكلية على النظام الإداري وما إرتبط بذلك من تطور في التعليم، . وعلى الرغم من أن الس

المزيد


العقلانية القومية والعقل الحضاري الحديث

يناير 29th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , عروبة و إسلام

العقلانية القومية والعقل الحضاري الحديث

د. نديم البيطار

عندما نواجه الوسط الخارجي نتكلم عادة عن العالم الذي نعيش فية بالمفرد وكأن هذا العالم واحد. ولكن هناك ، في الواقع ، كما تدل على ذلك ممارساتنا الفكرية وتجاربنا الايديولوجية وحياتنا العامة، عوالم عديدة، منسجمة احيانا ومتناقضة احيانا اخرى ، ننظرمن زواياها ومستوياتها المختلفة الى هذا العالم او الوسط الخارجي . فهناك عالم الفيزيائي ، عالم البيولوجي ، عالم اللاهوتي، عالم السيكولوجي، عالم السوسيولوجي، عالم الفنان، عالم الفيلسوف، عالم الايديولوجي، الخ… لهذا كنا نجد أنفسنا عبر التاريخ نتطلع الى تركيب فكري يتجاوز هذه العوالم ويجمع بينها. فالعقل الانساني، مدفوعا بما يمكن تسميته بتناقضات الوضع التاريخي والوضع الانساني، كان يرى ان هذا التركيب ضروري ويجب صياغته في شكل ما، لان هذه التناقضات تدعو بوجودها ذاته، او بجدليتها نفسها، الى الكشف عن عقلانية عامة تضبطها نفسها وتتجاوزها. تركيب كهذا كان يزداد ضرورة مع حركة العالم الحديث. انسان كل عالم من هذه العوالم  يركزعلى عالمه الخاص، او على زاوية خاصة فيه يتطلع منها الى هذا العالم الواحد، ولكنه في نفس الوقت يشارك مباشرة او غير مباشرة الآخرين في العوالم الاخرى في بعض الجوانب او القضايا الاساسية الواحدة التي تشغل او يمكن ان تشغل ، التي توجه او يمكن ان توجه هذه العوالم . لهذا كان العقل الحديث يسجل بوضوح هذه الحاجة الى هذا التركيب الفكري ، الى عقلانية ما تصيغ المرحلة التاريخية الحالية وتربط بين العوالم التي تشارك فيها.

هذه المنظورات المختلفة حول العالم تمثل بدائل يجب علينا الاختيار بينها، ولكن في نفس الوقت تكشف انها قد تكون متكاملة او مترابطة، ولهذا فان مسألة التركيب الفكري الذي يمكن او يجب ان يعبر عن هذا التكامل او الترابط كانت مسألة تفرض ذاتها . قضية هذه المنظورات او التركيب بينها كانت، في الواقع ، تشغل الفكر الفلسفي منذ بدايته في اليونان القديمة.

انني لا اطمح طبعا بان اقدم هنا، في بحث سريع كهذا اي تركيب من هذا النوع . ولكن ما يمكن تقديمه هو الاشارة الى منظور معين أختاره بين المنظورات التي رافقت العقل الحضاري الحديث. يحقق بما يميزه من شمولية تتسرب الى جميع جوانب هذا العقل التركيب الذي اشرت اليه. انني اختاره ليس فقط لانه يوفر مثلا متكامل الجوانب عن هذا التركيب، بل لانه يتميزبعلاقة اساسية مهمة بموضوعنا، موضوع العقلانية القومية، موضوع تكوين الهوية القومية او العقل القومي.

بما ان هذا التركيب يميزالعقل الحضاري الحديث، اي انه تركيب يمثل العقل العلمي وما وصل اليه هذا العقل من نتائج موضوعية تفرض ذاتها في جميع جوانبه، اي في دراسته للطبيعة والتاريخ والمجتمع والانسان، وحتى فكرة الله وعلاقة الانسان بها، فذلك يعني ان المفكرالذي يعالج موضوع العقلانية او الهوية القومية يجب ، ان اراد ان يكون ، علميا وجزءا من التاريخ الحديث، ان يعمل بوحيه، بالاستناد اليه وبالرجوع اليه. الدراسات التي تحقق هذا تكون بالتالي دراسات غير علمية لانها تعني آنذاك خروجا على ما وصل اليه هذا العقل.

المنظور الذي اعنيه يقول بان مفهوم السيرورة (Process) او الصيرورة (becoming) حل محل مفهوم الجوهر (Substance) في هذه العوالم التي اشرت اليها، وان القول بهذا المفهوم يفرض صورة معينة حول العقل او الهوية القومية تتناقض جذريا مع المفهوم الذى درج الفكر العربي بشكل عام على اعتماده في تحديد هذه الهوية.

عندما نحاول ادراك طبيعة العالم او الانسان، طبيعة التاريخ المجتمع او الفرد، الخ، يمكن لنا ان ندرس اساسيا أو ان نأخذ بعين الاعتبار اشياء وجواهر، الانواع المتعددة للكائنات، خصائصها الجوهرية، وعلاقاتها مع بعضها البعض الاخر، ان نظرة عامة صرفة نلقيها على معطيات التجربة تقودنا الى الاعتراف بالثنائية العميقة بين الوجود المادي والوجود العقلي . هكذا تظهر مشكلة العقل والجسد القديمة المستمرة مع الحلول المتعددة التي كانت تقدم لها. ولكن الصعوبات المربكة التي كانت تلازم تفسير علاقات العقل والجسد عندما ينظر اليهما كجوهرين قادت، كما يكتب الفيلسوف تسانوف، الى التوكيد الحديث على مفهوم ديناميكي حول الواقع (Reality)  وهو توكيد اتجه اليه ايضا الفكر العلمي والفلسفي في ارضيات اخرى . الطبيعة أصبحت نتيجة هذا المفهوم كونا من السيرورات اكثرمما هي نظام من الاشياء . هذا المنظور الجديد كان يعني ان التفاسير المختلفة للطبيعة كانت تفرض أسئلة جديدة (1) .

هرقليطس قال : التغير الدائم هو الملك. فكرة هذا التغير اصبحت حقا ملك الفكر الحديث. هذا البحث يدورعلى هذه الفكرة وما يترتب عليها . فالصيرورة حلت محل الجوهر كالمقولة الرئيسية في هذا الفكر ، وذلك ابتداء من فرانسيس باكون الى برغسون وما بعد برغسون الى يومنا هذا. كلمة الصيرورة لا تشير هنا فقط الى اجوبة جديدة ومتغيرة على اسئلة اساسية دائمة ومتكررة ، او حتى الى ثورات كبيرة في عالم الفكر. انها تشير بدلا من ذلك او بالأحرى الى نموذج جديد في التفكير يتأمل في كل شيء : الانسان ، المجتمع، التاريخ، الطبيعة، الفرد، الدولة والله نفسه .  ليس فقط كظاهرة تتغير بل كظاهرة تتطور باستمرار الى شيء جديد ومختلف . ان ارنست رينان أشار في الواقع ، الى طبيعة هذا التحول منذ قرن ونصف تقريبا عندما كتب بان الخطوة الجديدة الكبيرة في النقد الحديث كانت احلال مقولة الصيرورة محل مقولة الجوهر او الكينونة ، مفهوم النسبي محل مفهوم المطلق، والحركة مكان الثبات (2) . بعد ذلك بمدة قصبرة قال توماس هكسلي متكلما باسم جيل بكامله بان الميزة الاكثر وضوحا في الكون هي انه غيردائم أو غير ثابت .

تاريخ العلم الحديث يسجل زوال الجوهرية التدريجي . العالم الطبيعي يميل ، في الواقع ، الى اعتبار الانتقال الى منظور ديناميكي امرا اصبح نهائيا الى درجة يرى معها ان اية دراسة للمذاهب التقليدية القائلة بجواهر مادية او عقلية تتميز . بمجرد فائدة تاريخية او حتى اثرية فقط . الخاصة الاهم التي تميز النظرة الحديثة الى العالم كانت ما يسمى " اكتشاف الزمان " . ان مفهوم الواقع كشيء متطور باستمرار عبر الزمان اكد على الادوات بدلا من الجواهر ، على تحوليات في الزمان بدلا من جواهر في المكان (3) .

هذا الوعي للصيرورة يشكل محور ما نعنيه بالحداثة او العقل الحضاري الحديث. فالاتجاه من الجوهر الى الصيرورة، ومن الكينونة الى التحولية، الذي ازداد سرعة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين الى ان اصبح المنطلق للفكر الحديث والنموذج الفكري الذي يهيمن عليه، كان ظاهرة ترتبت على تحولات تاريخية كبيرة كالثورة الفرنسية ، الثورة الصناعية، الثورة العلمية، عقلانية عصر التنوير، الثورة التقنية في شكلها الميكانيكي وشكلها الكهربائي ، التي كان من نتائجها ايضا تفتيت البنية الاجتماعية التقليدية في اوروبا القديمة. الثورة العلمية في القرن السابع عشر انتجت ، ولا شك جوهرا خاصا بها. انها دعت الى التفكير في ضوء قوانين ثابتة لا تتغير ونماذج ميكانيكية كاملة. ولكنها غذت نوعا من العقل الهدام للاصنام التقليدية، ومنها اصنامها الخاصة بها. فالعقل العلمي القلق، المتململ دائما، الذي لا يكتفي بالحقائق الموجودة، كان يؤكد على اخضاع فرضياته نفسها الى الاختبار المستمر، وعلى ضرورة تغييرها عندما يصبح ذلك ضرورياً في ضوء أدلة جديدة . ما ينطبق على الثورة العلمية ينطبق ايضا على العقلانية التي مهدت للثورة الفرنسية واحلت العقل النقدي محل التقليد (4).

العلم او العقل الحضاري الحديث اصبح يعني في الواقع  بحثا مستمرا عن الحقيقة، تنقيبا يتجاوز ذاته دون نهاية فى تفسيرالعالم ومستوياته المختلفة، رغبة في ادراك نهائي يتهرب دائما منا. العلم كما كان في الازمنة السابقة كان يمكن ان يتصور ذاته كاملا بمعنى ما لانه يتطلع الى ادراك مبادىء الواقع ، قوانين الجوهر او الكينونة. ولكن العلم الحديث هو، من حيث طبيعته نفسها ، علم متطور او في حالة تحول دائمة لا علاقة له باطروحات او فرضيات تدور حول حقائق تكاملت فأصبحت مغلقة ، او حول معنى الاشياء النهائي . انه علم يعمل نحو هدف منحسر او بعيد دائما ويجدد باستمرار الاسئلة التي يطرحها على المادة ، على الحياة ، على التاريخ والمجتمع والانسان. لهذا يمكن القول ان العلم او العقل العلمي الحديث يتميز بميزة رئيسية وهي عدم الاكتمال . هذا لا يعني طبعا ان القوانين او المعرفة التي يصل اليها او يحققها في مرحلة معينة تكون مغلوطة ولهذا فهو ناقص، بل ان ما وصل اليه متحول باستمرار، يبني على ما حققه في توسيع نطاق منجزاته الى ما لا نهاية و دون ان يطمع في اقامة نظام مغلق من القوانين الكاملة المتكاملة بشكل نهائي. لهذا يمكن القول ان العلم او العقل العلمي الحضاري الحديث اصبح يعادل تحوله او صيرورته الخاصة. انه علم يتحول باستمرار لان المعرفة التي يحققها تخضع باستمرار للأسئلة التي يطرحها. وهي أسئلة تحفز عليها باستمرار جدلية هذه المعرفة نفسها . فطالما ان الواقع  يجدد فضول الباحث العلمي في الأسئلة الجديدة التي يحفز عليها، يصبح من المستحيل تصور الوصول الى علم نهائي . فالعلم يمكن ان يصبح كاملا فقط أن بلغ التطور الانساني نهايته. فالانسانية يجب ان تكون قد أستنزفت قواها وامكاناتها تماما، والانسان يجب ان يكون قد حصركل كفاءة خلاقة، والواقع يجب ان يكون قد وصل الى حالة لا تعرف اي تنافس ابدا كي يمكن لمنجزات العلم ان تكون نهائية.

***

هذا العقل العلمي الحديث الذي اشرنا الى خاصته الاساسية واضح في جميع العلوم الحديثة، ليس فقط الطبيعية، بل الانسانية ايضا. الملاحظات العابرة التالية كافية للتمثيل على ذلك.

التطلع او المطالبة بمفهوم ديناميكي حول المادة والحياة ميز التطور الاساسي لعلوم الفيزياء والبيولوجيا والكيمياء. مراجعة الاكتشافات او النتائج التقنية التي تمت في هذه الميادين تخرج ليس فقط عن نطاق هذا البحث بل عن كفاءتي العلمية. ولكن التحول الجذري الذي حدث في رؤية هذه العلوم- وبالتالي الانسان- للكون كان يتميز بأهمية فلسفية كبرى لانه غير نظرتنا الى العالم والحياة.

هنا يمكن القول ان هذه العلوم كانت حتى النصف الاخير من القرن التاسع عشرتقريبا تدرك الطبيعة كنظام من الجواهر التي تؤثر في بعضها بعضاً بطرق وعلاقات متعددة مماثلة. فعالم العلم التقليدي كان يتكون، كما عبر عن ذلك هوايتهد، من اجزاء من المادة المتحركة في المكان الذي كان فارغا…. كراسي، موائد، اجزاء صخرية، محيطات، اجسام حيوانية، اجسام نباتية، نجوم، شموس (3). البحث العلمي كان يعمل على صياغة القوانين الشاملة (Universal) التي تنظم تفاعلات هذا التعدد غير المحدد من الجواهر. التحليل العلمي اراد ايضا تحويل هذا التعدد اللانهائي الى عناصره الاساسية المكونة له.

الاتجاه الاختياري، وكذلك النظري، كان يسير ضد هذه الجوهرية في العلوم الطبيعية. والعقل او البحث العلمي المعاصر ناقض تحليل الطبيعة الى عناصرها كما كانت تدرك تقليديا، كتنوعات جوهر مادي لا يمكن تحويلها، وفرض اعادة نظرجذرية في المكانيكا الكلاسيكية. ان تفاعل الافكار الجديدة في هذه العلوم الطبيعية قاد العقل العلمي و تطبيقاته الى عتبة وما وراء عتبة عالم جديد من الاحتمالات غير المحدودة .

نظريات الفيزياء الحديثة كانت تعني ، في الواقع ، حالة تدعو الى اعادة نظرمستمرة ليس فقط في الجزئيات بل في جوانب اساسية. فعلم الصيرورات الكونية اصبح هو نفسه علما في صيرورة او تحولية. فالنصيحة  كانت كما قال احد العلماء : كن على اسنعداد دائم لتغيير اي مفهوم كان (6). القرن الحالي بدأ بتقويض تدريجي لمذهب العناصرالتقليدي عندما تبين ان بعض هذه العناصر الثابتة المزعومة كانت تتعرض للتحول ، اي انها لم تكن جواهرثابتة كما كانت تقول العلوم الكلاسيكبة. الان اصبح من الصعب جدا، ان لم يكن من المستحيل

المزيد


الشرق أوسطية سيطرة صهيونية على الوطن العربى

يناير 27th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , عروبة و إسلام

 

الشرق أوسطية سيطرة صهيونية على الوطن العربي 

 فوزي منصور 

(1)   دون التحديد الدقيق لطبيعة المرحلة الحالية، يصعب تبين المهام المترتبة عليها.
(2)
 حديث الوثائق و الاحداث يحسم الجدل المحتدم حول ا لمشروع الشرق اوسطى
( 3 ) تسمية " السوق المشتركة " تسمية مضللة تستهدف
تبرير مبدأ مشاركة اسرائيل للعرب فى ملكية موارد العرب !
(4)  مستوطنات صهيونية جديدة بطول وعرض الاقتصادات العربية

(1)   دون التحديد الدقيق لطبيعة المرحلة الحالية، يصعب تبين المهام المترتبة عليها.

 إن تطور الاحداث فى السنوات الاخيرة، والصراع الفكرى والسياسى الدائر حولها، يقدمان الدليل على ان التحدى الحقيقى والاعظم الذى اصبح يواجه الأمة العربية اليوم هو كيف يمكن أن تعبئ قواها السليمة لكى تواجه بها المشروع الشرق أوسطى، وتوقع به الهزيمة، وتجعل من هذه المعركة التاريخية الحاسمة أساسا لإعادة التحرر والبناء. والسطور التالية تحاول فى ايجاز بيان ذلك.

(2)
 حديث الوثائق و الاحداث يحسم الجدل المحتدم حول ا لمشروع الشرق اوسطى
:

لقد
شغل الرأى العام فى هذه السنوات بمناقشات حامية حول المشروع الشرق أوسطى : هل تقبل البلدان العربية على هذا المشروع أو ترفضه؟ وهل تشارك فيه قبل استكمال "عملية السلام " الجارية أم تجعل هذه المشاركة مشروطة بما يسمى "تحقيق السلام الشامل والدائم والعادل "؟ وهل هناك تعارض بين المشروع الإقليمى الشرق أوسطى والمشروع القومى العربى أم أن المشروعين متكاملان؟ وما الشروط والأوضاع التى تحقق للعرب أقصى الفوائد والمزايا من المشاركة فى المشروع الشرق أوسطى .. إلخ . وكان لهذه المناقشات فائدة لاتنكر فى إطلاع الرأى العام العربى على العديد من جوانب هذا الموضوع . وعلى المواقف المتباينة للقوى الاجتماعية والسياسية والشخصيات العامة التى شاركت فى المناقشة.
لكن الواقع الحى المتصاعد الإيقاع، المعزز بما كان خفيا من وثائق
ومواقف رسمية أمريكية صهيوينة أو عربية ، كان هو الأسرع إلى حسم الكثير مما احتدم حوله الخلاف
.
لقد أثبتت تطورات الأحداث وكشفت الوثائق والمواقف
:
أولا : أن
المشروع الشرق أوسطى ليس اقتراحا مطروحا للقبول أو الرفض ، لكنه خطة طال التحضير لها فى أروقة وأجهزة الحكم والدوائر الأمريكية والصهيونية ، وأخذت الموافقات عليها بليل من بعض مراكز اتخاذ القرار العربية، وطرحت أهم عناصرها للمناقشة من سنوات عديدة بين مجموعات منتقاة من المثقفين العرب والإسرائيليين تحت رعاية الهيئات العلمية الأمريكية والمؤسسات المالية الدولية بهدف إكساب الخطة مشروعية علمية وإظهارها كما لو كانت نتيجة التوافق الموضوعى بين المصالح الإسرائيلية والعربية
.


المشروع هو المحتوى الحقيقى للسلام العبرانى وهدفه النهائي وقد بدأ تنفيذه بالفعل من زمن طويل :

ثانيا : أن تنفيذ هذا المشروع لاينتظر قيام السلام : أى
سلام ، عادلا كان أو غير عادل؟ شاملا أو غير شامل؟ كاملا أو غير كامل؟ وإنما بدأ التنفيذ الفعلى للعديد من عناصر المشروع ، حيثما أمكن ذلك، حتى قبل أن يكشف بعض الرسميين العرب الستار عنه فى عام 1993.
وفى مرحلة أولى بدا كما لو كان تنفيذ
المشروع الشرق أوسطى موازيا للتقدم على طريق السلام : يتحقق من هذا بقدر ما يتحقق من ذاك ، واستخدمت صيغة مدريد ذات المسارين المتوازيين لإثارة الالتباس حول ترتيب الأولويات
.
لكن التصريحات الرسمية الإسرائيلية، بما فى ذلك ماقدم منها كوثائق
رسمية فى مؤتمر الدار البيضاء، مالبثت أن أوضحت بشكل متصاعد أن تنفيذ المشروع الشرق أوسطى شرط لتحقيق السلام (الإسرائيلى)، ثم هو الضمان لدوام السلام، بل- وأخيرا- هو المحتوى الحقيقى للسلام ! الأمر الذى يفتح المجال لتساؤل مزدوج لم يطرحه أبدا على أنفسهم دعاة المشروع من العرب: إذا كان المشروع يحقق صالح العرب كما يقولون فلماذا تحتاج إسرائيل إلى الحصول على موافقة العرب المسبقة عليه، وفى الحقيقة تنفيذ عناصر مهمة منه ، قبل أن تتنازل لهم عن بعض حقوقهم؟ وإذا كان السلام عادلا بأى معنى من المعانى، فلماذا تقتضى إسرائيل من العرب- وهم الطرف الأضعف بموازين القوى الحالية- تقديم الضمانات تلو الضمانات لعدم إخلالهم فى المستقبل به، وعلى رأس هذه الضمانات أن يقبلوا تكبيل أنفسهم مقدما بمشروعها الشرق أوسطى؟

وعلى مستوى الأحداث فإن
الكثير من الترتيبات الاقتصادية الواردة فى اتفاقات السلام التى عقدت مع مصر ثم مع قيادات منظمة التحرير الفلسطينية ثم الأردن، والتى نفذ بعضها بالفعل ويجرى تنفيذ البعض الآخر منها، هى عناصر متفرقة من المشروع الشرق أوسطى الكبير لايتضح مغزاها إلا إذا وضعت بجوار بعضها البعض، كما أن الكثير من الترتيبات الاقتصادية التى تفرضها الاتفاقيات الثنائية مع أمريكا أو مع المؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولى وصندوق النقد هى دون أدنى شك خطوات لاغنى عنها لتنفيذ المشروع الشرق أوسطى على الوجه الذى تخطط له أمريكا وإسرائيل. وعلى المستوى الجماعى فإن مؤتمرات مثل الدار البيضاء وعمان، بما تفيض به من تطبيع ومشروعات عامة أو خاصة مشتركة مع إسرائيل، وصفقات معلنة وغير معلنة، واتفاقات لإنشاء مؤسسات اقتصادية إقليمية أو رسم سياسات اقتصادية مشتركة، ليست سوى الطريق الآخر والأسرع لتحقيق المشروع الشرق أوسطى ، دون انتظار لسلام شامل أو عادل
.


المشروع مناهض للقومية العربية وقائم على انقاضها

ثالثا : أن هذا المشروع ينتمى تاريخيا ، لا إلى " المستجدات الدولية و
" النظام العالمى الجديد" كما يقال، ولكن إلى محاولات الوأد المتكرر لمشروعات النهضة العربية، بدءأ بمشروع محمد على وانتهاء بمشروع عبد الناصر والخوف الدائم من تكراره. والمشروع الشرق أوسطى هو من هذه الناحية الامتداد الطبيعى لوعد بلفور واعلان دولة إسرائيل ، والمرحلة النهائية الأعظم أهمية على طريق إقامة دولة إسرائيل العظمى المسيطرة إقليميا.
ومشروع يجرى تصميمه بهذه الأبعاد وذلك الهدف لايمكن
إلا أن يكون نقيضا للقومية العربية وقائما على أنقاضها، بل إنه قد أصبح بالفعل الأداة المميزة لإيقاع المزيد من الفرقة بين البلدان العربية
.
وقد جلس
المراقبون على "حيطة" الدار البيضاء وسمعوا "زيطة" الحكام والمندوبين العرب وخلافاتهم الناشئة من التسابق على نيل الخطوة لدى إسرائيل السيد الجديد . لكن المستقبل يحمل ماهو أكثر مرارة من ذلك . فالدراسة الفاحصة للعديد من "المشروعات الإقليمية التى تقدمت بها إسرائيل إلى مؤتمر الدار البيضاء، وعلى رأسها مشروعات مد أنابيب المياه من تركيا إلى السعودية وبلدان الخليج وأنابيب النفط من آباره فى منطقة الخليج إلي الموانىء الإسرائيلية على البحرين الأبيض والأحمر يقصد بها، فى أحد وجوهها ، الإيهام بوجود تناقض أصيل فى المصالح بين بلدان الصحارى العربية المتلقية للمياه النابعة من تركيا وبين سوريا والعراق صاحبتى الحقوق التاريخية على هذه المياه ، أو بين البلدان النفطية التى سوف تخرج منها خطوط النفط الجديدة وتلك التى سوف تعبرها وبين البلدان العربية الأخرى التى تمر خطوط النقل الحالية- مثل قناة السويس- فى أراضيها
.
كذلك أيضا فإن التخطيط الذى يجرى تنفيذه حاليا
لاستخدام الكيان الفلسطينى التابع والأردن كمعبر لإسرائيل نحو بلدان الخليج والعراق ( لو نجحت محاولات ترويضه) والعكس هو فى أحد وجوهه محاولة مفضوحة لإيقاع المزيد من التناقضات بين هذه البلدان العربية وبين سوريا ولبنان.. وهكذا
.
وإزاء هذه
الآليات المصممة عن عمد داخل بنية المشروع الشرق أوسطى لإشعال الصراعات بين البلدان العربية يصعب أن يجد المرء الكلمات المناسبة لوصف تاكيدات بعض المسئولين فى الدول العربية وفى الجامعة العربية بوجه خاص بألا خطر هناك من المشروع الشرق أوسطى على المشروع القومى العربى وبإمكان التوفيق بين المشروعين
.


المشروع غير قابل لأي تعديل جوهري يتقدم به العرب :

رابعا : إن مشروعا له هذه الأبعاد الضاربة فى
أعماق التاريخ ، وجرى التحضير له منذ سنوات عديدة بدأب ومعرفة، ويهدف حقا إلى التسوية الشاملة التى لارجعة فيها للصراع العربى الإسرائيلى لصالح إسرائيل والقوة العتيدة التي تقف وراءها دون مراعاة لصالح العرب بل وعلى حساب كيانهم ومستقبلهم، وتمت أخذ الموافقات الصريحة أو الضمنية على خطوطه العريضة من بعض العرب المتحكمين فى رقاب العرب، ويفرض على العرب فى لحظة تاريخية نادرة تجمعت عليهم فيها كل عوامل الوهن والهوان المتصورة ، مثل هذا المشروع لايمكن أن يكون مطروحا لمناقشة يمكن أن تخرج به عن الأهداف التى صمم من أجلها أو الأليات الرئيسية التى تخدم هذه الأهداف. وعلى الأكثر فكل مايستطيعه المفاوض العربى لو أوتي بعض الحذق والإصرار هو التغيير في التسميات أو ترتيب الأولويات أو التوقيت أو غير ذلك من التفاصيل التي لاتغير من طبيعة المشروع .
ومن هنا فإن حجة " قبول المشروع مع العمل على تعظيم مكاسب
العرب منه " هى على الأكثر حجة المستسلم الذى لايحاول رد قضاء الأعداء ولكن يسألهم اللطف فيه
.
ذلك موقف، بصرف النظر عن أية اعتبارات أخرى قيمية أو معنوية نضعها
نحن فى قمة تقديراتنا، لاتبرره حقائق الأوضاع الدولية المعاصرة، ولا إمكانيات العمل العربى المفتوحة أمام من لاتقصر بصيرته أو همته عن تعبنتها وحسن استخدامها. لكن التعرف على هذه وتلك يتطلب أول مايتطلب النظرة الأكثر تدقيقا لأليات المشروع الشرق أوسطى ونتائجه المباشرة
.


( 3 ) تسمية " السوق المشتركة " تسمية مضللة تستهدف تبرير مبدأ مشاركة اسرائيل للعرب فى ملكية موارد العرب !

إن المشروع الشرق
أوسطى الذى يجرى الآن فرضه على الأمة العربية مشروع ذو طبيعة خاصة، صمم بعناية لتحقيق أهداف محددة لاشأن له أولها بالتسمية التى يروج للمشروع تحتها: تسمية " السوق الشرق أوسطية"
لقد ابتدع أصحاب المشروع هذه التسمية البعيدة كل البعد عن
حقيقته ( ورددها وراءهم ذوو الغفلة من الرسميين العرب) للتضليل بها، على نحو ماتفعل إسرائيل بمصطلحات أخرى مثل " الأمن " أو " السلام " : تعطيها مضمونا خاصا بعيدا عما يعرفه العالم تحت اسم الأمن أو السلام، لكى تستفيد من هذه الكلمات المقبولة عالميا للتعمية على أهداف أخرى غير مقبولة هى احتكار القوة والسيطرة على الجيران
.
ابتدعت إسرائيل تسمية " السوق لكى يستقر فى أوهام العرب أن ماتسعى إليه مماثل
لما يحدث فى مناطق أخرى من العالم كالسوق الأوروبية المشتركة، وهو من ثم تطور طبيعى يستجيب لمتطلبات العصر، ولكى تسرب فكرة خبيثة دائمة التردد فى الكتابات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية، هى فكرة " الموارد المشتركة" التى تصبح " ملكا مشتركا لسكان الإقليم يستخدم لصالحهم

جميعا"، مختلقة بذلك أساسا نظريا لحق غير قائم فى
التدخل فى كيفية استخدام العرب لموارد بلادهم وفى مشاركتها لهم فى استغلالها تمهيدا للسيطرة عليها.؟

وحقيقة الأمر أن مفهوم " الأسواق المشتركة " لايحمل بأى وجه من
الوجوه معنى الملكية المشتركة للموارد الذى تروج له إسرائيل بكل قواها ويسكت عليه المدافعون العرب عن مشروعها. هذا من جانب، ومن جانب آخر فمن غير المتصور أن تقبل إسرائيل الالتزام بالأساس الأول والحقيقى الذى يقوم عليه مفهوم الأسواق المشتركة، وهو إطلاق حرية العمل ورأس المال، لا للسلع والخدمات فقط ، فى الانتقال بين البلدان الداخلة فى السوق المشتركة، ومعاملتها فى البلد الذى تنتقل إليه على قدم المساواة مع العمل ورأس المال المحلى : لايتصور أن تقبل إسرائيل شيئا من ذلك لا فى المدى القصير ولا فى المدى الطويل لأنه يعنى الانهيار الكامل لكافة الترتيبات والأسس الاقتصادية التى تقوم عليها دولة إسرائيل الصهيونية العنصرية ذات الاقتصاد المنغلق- إلا بالنسبة لمن يقدمون الخدمات العارضة - على من يعتنقون ايديولوجيتها أو يتعاطفون معها
.


المشروع الشرق أوسطي مشروع من نوع خاص ، فصّل خصيصاً كقميص أكتاف للعرب

والحقيقة المقابلة لما تقدم هى أن ماتطرحه إسرائيل هو مشروع من نوع خاص،
ولاينتمي بأية حال إلى عائلة الأسواق المشتركة، فصل بعناية فائقة لكى يأخذ فى الاعتبار الأوضاع المتباينة لمختلف البلدان العربية من نواحي القرب الجغرافى من إسرائيل والوزن السكانى والموارد والثقل الاقتصادى، والدور المحدد الذى يخصص لكل منها- بناء على هذه الأوضاع- فى خدمة اقتصاد إسرائيل ومد الجذور المغذية له فى المنطقة وإحكام سيطرتها على مواردها واتجاهات تطورها..
ولهذا السبب، وتحقيقا
لهذه الأهداف ، فإن المشروع المطروح هو مشروع ذرائعى يستخدم آليات شديدة التباين، بدءاً من التخطيط المحكم إلى إطلاق قوى السوق ومرورا بمشروعات التكامل الشديدة التنوع وفقا لظروف كل بلد وإمكانياته ، وتخدمه مؤسسات مالية وغير مالية مشتركة

المزيد


الحاجة لكتلة تاريخية تجمع تيارات الأمة

يناير 25th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , عروبة و إسلام

 

  

 حول الحاجة الى كتلة تاريخية

تجمع التيارات الرئيسة للأمة

مع إشارة خاصة إلى حالة العراق(*)

خيـر الديـن حسيـب(**)

أولاً: مقدمـة

 

تواجه الأمة العربية شعوباً، وأنظمةً سياسيةً، مأزقاً شاملاً، لم يعد التغيير فيه ممكناً على الطريقة السابقة، أي على طريقة الثورة الشعبية، أو طريقة الانقلاب العسكري. وتكاد تكون الثورة الإيرانية آخر أنماط الثورة الشعبية، بينما لم يكن ممكناً للانتفاضة الشعبية في إندونيسيا، وهي حالة خاصة، أن ترحّل الجنرال سوهارتو من دون تحييد الجيش، ومن دون الدعم الأمريكي لهذا التحييد. ولكن ما يهمنا هنا، هو الحديث عن الحالة العربية، إذ كانت الحركات الوطنية العربية أحد عوامل التسبب في الانقلابات العسكرية، بسبب قصر نفسها، واعتقادها أن اللجوء إلى مؤسسة الجيش، بوصفها مؤسسةً وطنية مركزية، يمكن أن يختصر عملية التغيير. ولكن الأنظمة العربية تبدو اليوم في الوضع الراهن- من دون إنكار تفاوت الحالة بين هذا القطر أو ذاك- وكأنها قد أخذت «لقاحاً» أو اكتسبت مناعةً ضد «الأمراض» الفتّاكة التي تهددها، أي بصورةٍ رئيسةٍ،  ضد الحركات الشعبية وضد الانقلابات العسكرية على حدٍ سواء. ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، يأتي في مقدمتها توسع دور الدولة الاقتصادي، وتكريس السيطرة على الإعلام، ومضاعفة حجم الأجهزة الأمنية وقوّتها… إلخ. وبالتالي بات من الصعب تصور قيام ثورة شعبية في الوطن العربي على طريقة الثورة الإيرانية، بل حتى على طريقة الحالة الإندونيسية الخاصة، التي لم تنجح لولا الدعم الخارجي الأمريكي لتحييد الجيش، وبالتالي نحن هنا إزاء دور العامل الخارجي.

وفي ما يتعلق بالانقلابات العسكرية، ثبت أنه ليس كل ضابط انقلابي يرفع شعاراتٍ كبيرة هو عبد الناصر، بل هناك ملاحظات حتى على تجربة عبد الناصر، وما حصل لها بعد غيابه. ولكن على الرغم من سوء أداء الأنظمة العربية، وفشلها على المستوى القطري في تحقيق أي إنجاز حقيقي على مستوى تحقيق الأهداف الوطنية، فإن مأزق الشعوب بات يكمن على الأقل في أن الحل، إما أن يأتي من الداخل، أو يأتي من الخارج. وتجربة العراق تبين لنا نتائج الاستعانة، أو الاعتماد على العنصر الخارجي، فما هو البديل من الاعتماد على هذا العامل؟

وإذا كانت تجربة موريتانيا الأخيرة تشير إلى حالة جديدة، تتم عن طريق انقلاب عسكري يدير مرحلة انتقالية، للانتقال إلى وضع ديمقراطي، وينسحب بعدها من الحياة السياسية، فإن التجربة لا تزال في مراحلها الأولية الناجحة حتى الآن، إلا أنه من الصعب الحكم النهائي عليها كنموذج يمكن الاقتداء به قبل أن تنتهي المرحلة الانتقالية وتنتقل موريتانيا إلى وضع ديمقراطي سليم، وأن لا تنتكس كما حدث في حالة السودان والرئيس سوار الذهب. وبانتظار النتيجة النهائية للتجربة الموريتانية، فإنه لا يمكن إسقاط هذا النموذج للتغيير كلياً.

وهكذا، فإن مأزق الشعوب العربية بات يكمن على الأقل في أن الحل، إما أن يأتي من الداخل، أو أن يأتي من الخارج، بالاستعانة بقوى خارجية في عملية التغيير الداخلي. وتجربة العراق تبين لنا نتائج الاستعانة، أو الاعتماد على العنصر الخارجي. فما هو الحل البديل من الاعتماد على هذا العامل الخارجي؟

تساعدنا تجربة نلسون مانديلا على تصور هذا الحل. يروي مانديلا في مذكِّراته(1) معاناة الأشغال الشاقة الحقيقية التي أمضاها على مدى سبعة وعشرين عاماً في المعتقل. كانوا يذهبون يومياً منذ الصباح إلى الجبل لنحت الصخر في هذه العقوبة، لكنه توصل بعد ذلك -وهو في هذه الظروف - إلى نتيجة هي أنه ليس بإمكانهم القضاء على حكومة التمييز العنصري، كما إن تلك الحكومة غير قادرة على أن تقضي عليهم. وبالتالي لا بد من حوار واتفاق على صيغة معينة، من دون التنازل عن القضايا المبدئية. ونقرأ في مسيرته الطويلة، أنه بدأ بالكلام مع مدير السجن، ثم مع موظفين من الدرجة الثانية والثالثة، إلى أن وصل إلى رئيس الوزراء كليرك الذي اقتنع هو أيضاً بوجهة النظر هذه، وأبرم معه الصفقة التاريخية، لكن من دون أي تنازل عن أي من الثوابت، ليصبح رئيساً للجمهورية، وينتهي النظام العنصري. وللمفارقة وقّع ياسر عرفات في العام نفسه (1993) اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل مع تنازلات رئيسة في الثوابت. وحدث شيء من ذلك في أنظمة أمريكا اللاتينية التي كانت كلها قبل سنوات التسعينيات دكتاتورية، حيث تحولت أغلبيتها الساحقة من حكم الدبابة إلى حكم صندوق الاقتراع. وتم ذلك، في معظم الحالات، عبر صفقة تاريخية بين قوى المعارضة الوطنية والأنظمة الحاكمة.

كما إن عملية التحرر الوطني من الاستعمار، وتأسيس الدولة القطرية في الوطن العربي، بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، تحقق بفعل "كتلة تاريخية" جسّدها تداعي النخب التي اندفعت إلى عمل وطني شامل، وامتزجت عبرها مراحل التحرر الوطني بمتطلبات البناء الاجتماعي.

حدث في بعض أقطار الوطن العربي شيء من هذه الصفقة، وربما كانت التجربة المغربية أكثرها وضوحاً من ناحية البداية، لكننا لا نستطيع الجزم بمستقبلها، بينما حدث تراجع في كل من البحرين والأردن عن مثل هذه البداية. كما تخوض موريتانيا تجربة جديدة، إذاً، فكيف نتصور الحل؟ الثورة الشعبية غير ممكنة، والانقلاب العسكري غير مرغوب فيه وغير ممكن في وقت واحد.

وبالمقابل، فإنني لا أعتقد أنه يمكن لأي تيار سياسي وحده، سواء كان قومياً أو إسلامياً أو يسارياً أو ليبرالياً، أن يقوم بعملية التغيير، بسبب وطأة الأنظمة، وعدم قدرة كل تيار وحده على إحداث عملية التغيير، وكذلك ضرورة عدم تكرار تجربة الصراع الداخلي واستنزافها في مرحلة الخمسينيات والستينيات بين بعض هذه التيارات، حول قضايا لا يمكن التوصل إلى حلها إلا على المدى البعيد. حيث كنا جميعاً، أي أبناء هذه التيارات، ضحايا لها.

ومن هنا، تصبح الحاجة للقاء والتعاون بين هذه التيارات الوطنية الأربعة أكثر إلحاحاً في حالة احتلال أي قطر عربي، نتيجة الاستعانة بالخارج لإحداث التغيير المطلوب، أو تعاون بعض القوى الداخلية مع الخارج لتحقيق أهداف خاصة به، مهما كانت الشعارات التي يطرحها. وينطبق ذلك عربياً، في الوقت الراهن، على حالة العراق بشكل خاص، كما سنرى في ما بعد، إذ يعجز أي تيار وطني وحده عن إخراج الاحتلال وتحرير البلد ناهيك بالانتقال إلى وضع ديمقراطي.

*     *     *

ثانياً: على المستوى العربي

لم يعد خافياً على أي مراقب محايد حجم الحملة التي تستهدف القومية العربية والإسلام معاً، باعتبارهما إطارين للتوحيد والتواصل الحضاري في منطقة تمتلك حيوية استراتيجية فائقة بالنسبة إلى القوى الطامحة إلى الهيمنة على مقدرات العالم اليوم. وإذا كانت هذه الحرب لم تتوقف يوماً واحداً، ومنذ قرون، ضد العروبة والإسلام، إلا أنها تميزت في هذه المرحلة بأمرين بالغي الخطورة:

الأمر الأول: إنها تأخذ طابعاً بالغ الحدة والشراسة، على المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية والثقافية، حيث تجري باسم «الحرب على الإرهاب» حرب استئصال جسدية وفكرية وتربوية ضد الأمة، تصل إلى استهداف مباشر للعقيدة الدينية والهوية القومية.

الأمر الثاني: إنها تأخذ حالياً طابع الحرب المباشرة على التيار القومي العربي والتيار الإسلامي في آن معاً، بعد أن سعت، ولعقود خلت، إلى استخدام الصراع بين التيارين كإحدى الأدوات الرئيسة في حربها على العروبة والإسلام.

وإذا كانت الشراسة التي تتسم بها هذه الحرب يمكن تفسيرها بمدى الصلابة التي تواجه بها الأمة مخططات أعدائها، وبعمق الروح الجهادية التي تتجلّى في كل مواقع المقاومة في الأمة العربية والإسلامية، فإن مَرَدَّ الاستهداف المزدوج للتيارين القومي العربي والإسلامي يعود إلى أن التيارين قد نجحا في السنوات الأخيرة، وتحديداً مع بداية التسعينيات، في بناء قدر من علاقة تفاعلية وتكاملية بينهما أدت إلى سد الكثير من الثُغَر التي طالما نفذ منها أعداء العروبة والإسلام من أجل ضربهما معاً.

ولقد وقف وراء هذا التطور الإيجابي، في العلاقة بين التيارين، الإدراك المشترك لقواهما ورموزهما الأبرز، للمخاطر الجسيمة التي تواجه الأمة، وللتطور الخطير في مستوى المجابهة مع الأعداء، ولا سيما حين بدأت بعض الدوائر الغربية، الفكرية والسياسية والثقافية، تعتبر صراحة أن الخطر المقبل، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، هو ذلك المتمثل بالإسلام والعروبة، وتتصرف فعلاً على هذا الأساس.

وقد واكب هذا التطور دخول التيار اليساري العروبي إلى دائرة التيار القومي، في عملية بدأت في النصف الأول من الستينيات، وتعززت كرد على الهجمة التي تعرضت لها الحقبة الناصرية في مصر، ولم يعد بين التيار القومي العربي والتيار اليساري العروبي أية خلافات جوهرية تتعلق بالمستقبل، ولكنها، إن وجدت، تتعلق بالإرث التاريخي للتيارين وأحداث التصادم بينهما في الماضي، وهي عقد وترسبات لا يمكن شطبها مهما بُذل من جهد حولها، وكل ما يمكن عمله هو الاستفادة من عبرة تلك الخلافات للمستقبل.

كما ينطبق الأمر نفسه على التيار الليبرالي الوطني العروبي ، بغض النظر عن حجم هذا التيار في العراق، أو في غيره، مادام ي

المزيد


عن العروبــــة و الاســـــلام

يناير 25th, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , عروبة و إسلام

 

عــن العـــروبة و الاســـــــلام

د. عصمت سيف الدولة

بيــــان

في الوطن العربي طائفتان اختلفتا فاتفقتا . طائفة تناهض الاسلام بالعروبة وطائفة تناهض العروبة بالاسلام . فهما مختلفتان . وتجهل كلتاهما العروبة والاسلام كليهما فهما متفقتان . وإنهما لتثيران في الوطن العربي عاصفة غبراء من الجدل تكاد تضل الشعب العربي المسلم عن سبيله القويم . وانهما لتحرضان الشباب العربي على معارك نكراء تكاد تلهيه عن معركة تحرير أمته .

هذا حديث الى الشعب العربي عن الطائفتين تباعاً . سيقول نفر ممن يقرأونه : مابال هذا الرجل يتلو آيات الكتاب لايلتمس فيها عوناً من رجال الدين ، فنقول لأننامسلمون ، ولاكهانة في الاسلام . وسيقول نفر : ماباله يتحدث عن الأمة العربية لايلتمس عوناً من مفكريها ؟ فنقول لهم : هذا مذهبنا . مذهبنا الاسلامي في القومية ومذهبنا القومي في الاسلام ، فلينظروا ماذا هم فاعلون . أما الطائفتان فسينظرهم الشعب العربي إلى حين

( إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ) { يونس : 49 } صدق الله العظيم .

                       د . عصمت سيف الدولة

                  القاهرة : ايلول / سبتمبر 1985

  الفصل الأول

                  

                    الظــــالمــــــون

 

                     لزوم مالايلزم

1 - إن الحديث عن " العروبة والاسلام " ليس حديثاً عن كل من الاسلام والعروبة بل هو حديث عن العلاقة بينهما . فهل يحتاج الشعب العربي ، في هذة المرحلة من تاريخه ، إلى معرفة العلاقة بين العروبة والاسلام ليحل مشكلات تحرره وتقدمه ؟ هل يقف الشعب العربي ، في هذه المرحلة من تاريخه ، موقف الاختيار الملزم بين العروبة والاسلام ليدافع عن حرية أمته ووحدتها وتقدمها ؟ … هل تلزمه العروبة بغير مايلزمه به الاسلام ، فعليه أن يختار فيما بينهما لتحرر وطناً ومواطناً ؟ … أبداً إنه شعب معتدى عليه من خارجه ، اغتصاباً واحتلالا وهيمنة وتبعية . ومعتدى عليه من داخله ، قهرا وظلما واذلالا واستغلالا .

فإن هو استجاب لما تلزمه به العروبة ، ولو لم يع من العروبة إلا انها انتماء إلى احياء من البشر كفته أدنى قوانين الحركة . إن كل الكائنات الحية مسلحة بقانون " الفعل المنعكس الشرطي " للدفاع عن ذواتها إذا مأحاط بذواتها الخطر ؛ تردَ الفعل حتى لولم تكن فاعلة . فما بال العربي تكاد المخاطر المحيطة به أن تعصف بوجوده ذاته . ومابال الانسان العربي ، وهو المسلَح ، دون الكائنات جميعاً ، بقانون الجدل الذي يملك به المقدرة على إدراك التناقض بين واقعه وحاجته ، ويعرف به اسباب حل هذا التناقض ، ويستطيع به أن يجسد بعمله في الواقع مايوقف به معاناته ويفرض به ارادته . فإن وعى العروبة انتماء إلى أمته لعرف معرفة اليقين ان التناقض الاساسي بين واقعه وحاجته يتمثل في أن ليس كل ماهو متاح في أمته من أسباب التحرر والتقدم متاحاً له ليتحرر ويتقدم ، لأن العدوان الخارجي يسلبه إمكانات مادية وبشرية هو صاحبها بحكم أنها إمكانات أمته ، فيحول دون أن يطَور حياته بما هو ممكن ومتاح لاأكثر ولاأقل ، ولأن العدوان الداخلي يسلبه القدر الأكبر مما أفلت من العدوان الخارجي فيستأثر به من دونه احتكارا واستغلالا ، ثم يفرض عليه تلك القسمة الضيزى بالقهر والظلم والاذلال ، ويحول دون ثورته بما يبقيه عليه من جهل وفقر ومرض فيبقيه عاجزاً عن استرداد امكانات مادية وبشرية هو صاحبها بحكم أنها إمكانات أمته فلا يستطيع أن يطور حياته بماهو ممكن ومتاح ، لاأكثر ولاأقل . وإنه ليعرف معرفة اليقين ان العدوان الخارجي والعدوان الداخلي حليفان عليه يحقق كل منهما بعدوانه مايمكَن الآخر من العدوان ، ولو لم يكونا متحالفين . فإن كان أكثروعياً لوعى دلالة الدروس الصارمة التي يتلقاها كل يوم من أحداث عصره ، لعرف معرفة اليقين أن لاأمل ، لاأمل على الاطلاق ، في أن يتقدم حرية ورخاء بقدر ماهو متاح في أمته إلا بأن يواجه أعداءه جميعاً فيسترد حريته ويقيم وحدته القومية . وإنه ليتعلم كل يوم أن البشرية قد دخلت عصر الانتاج الكبير والدول العملاقة ، وان مصير الاقزام من الدول أن تحتمي ، راغبة أو كارهة ، بمظلة التبعية السياسية لدفع خطر العدوان ، والتبعية الاقتصادية لدفع غائلة الجوع ، وأن تدفع من حرية وطنها اثماناً باهظة لمن يحميها أو يغذيها . يحميها ولو من بطشه ذاته . ويغذيها ولو من ثروتها ذاتها . وإن بعض هذا ، وليس كله لقمين بأن يحدد للشعب العربي اعداءه بأسمائهم ودولهم ونظمهم ، وبأن يحفزه ويحرضه على سحقهم سحقاً ، إذ أن سحقهم سحقا هو الطريق الوحيد المفتوح إلى التحرر والوحدة والتقدم ثم الرخاء  .

أما إن استجاب الشعب العربي لما يلزمه به الاسلام فقد تلقى من الله أمراً صريحاً بالقتال ضد المعتدين : قال تعالى ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) { البقرة : 194 } ، وقال : ( ومالكم لاتقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا اخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ) { النساء : 75 } . ثم قضى، سبحانه ، بأن من سكت على الظلم قد ظلم نفسه ، وأنذره بجهنم مع الظالمين أنفسهم . قال

( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم ؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) { النساء : 97 } . إنه سبحانه ، لايحرض على الهجرة ، بل يتحدى بها مماحكات الأذلاء . قبل الهجرة المقاومة . بكل حيلة وكل سبيل . قال تعالى مكملا نذيره : ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لايستطيعون حيلة ولايهتدون سبيلا . فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ، وكان الله عفواً غفورا) { النساء : 98 ،99 } .

ثم انه سبحانه ، قد حرَم السلبية والتواكل ، وانذر بأن شيئا من الحياة التي يكرهها الناس لن يتغير إلا إذا غيَر الناس مابأنفسهم . قال ( إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) { الرعد :11 } . وقال : ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) { هود : 117 } . وذهب في تحريض المظلومين على المقاومة الى حد أنه علَمهم أنه ، سبحانه ، يحب منهم المقاومة حتى لو كانت أداتها سيئة ، وإن مقاومة الظلم تبيح كل الوسائل وتطهرها مما يكون في طبيعتها من سوء . قال ( لايحب الله الحهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) {النساء : 148 } . ثم انه قد أخبر بأن الاعتذار عن التقصير فيما يجب ، بأن ثمة من ضلل المقصرين ، اعتذارغير مقبول . وانه لايقبل من أحد أن يتهم غيره بأنه قد أضله ليبرىء نفسه من الضلال . قال تعالى :

( كلما دخلت أمة لعنت أختها ، حتى إذا ادَاركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلَونا فآتهم عذابا ضعفا من النار ، قال لكل ضعف ولكن لاتعلمون ) { الأعراف : 38 } . فدل على أن الغفلة التي تمكَن المضللين من ضحاياهم ذنب من ذنوب الضحايا انفسهم يضاف الى ماظلموا به أنفسهم ، فيضاعف لهم العذاب وأخيرا قضىبأن من قبل الذل كفر حين قضى بأن : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) { المنافقون : 8 } .

وإن بعض هذا وليس كله لقمين بأن يحدد للشعب العربي اعداءه باسمائهم ودولهم ونظمهم ، وأن يحفزه ويحرضه على سحقهم سحقا ، إذ أن سحقهم سحقا هو الطريق الوحيد المفتوح إلى طاعة الله ورضوانه .

إذن ، لايقف الشعب العربي ، في هذه المرحلة من تاريخه ، موقف الاختيار الملزم بين العروبة والاسلام ليدافع عن أمته وحريته وتقدمه . يكفيه ايهما . أمَا هما معاففوق كفايته . ومع ذلك ، أو بالرغم من ذلك ، فإن الشعب العربي في حاجة الى الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام .

 

      الانتماء المتعـدد 

فهل يكون ذلك لأن كلاً من الاسلام والعروبة علاقة انتماء الى مضمون واحد أو مضامين متشابهة ، مما قد يؤدي الى الخلط بينهما فيلزم تحديد العلاقة بينهما منعا للخلط ؟ … أبداً أيضاً . إن الاسلام علاقة انتماء إلى دين ( عقيدة ) . هكذا جاء رسالة ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله )   {الصف : 9 } . وهكذا ارتضاه الله لنا حين اكتمل . ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ) { المائدة :3 } . ثم وصانا بالابقاء على علاقة الانتماء الى الدين هذه والمحافظة عليها   (شرع لكم من الدين ماوَصى به نوحاولذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى: أن أقيموا الدين ولاتتفرقوا فيه ) { الشورى : 13 } . أما العروبة فعلاقة انتماء إلى أمة بشطري تكوينها : الشعب والأرض ، وما أثمرشطراها على مدى التاريخ من حضارة : إنها انتماء إلى وضع تاريخي بينما الدين وضع إلهي .         

وقد تلتقي القبائل والشعوب والامم في علاقة انتماء إلى دين واحد . ألم تر كيف تحدث القرآن عن الرسل والانبياء واقوامهم ثم وحد بينهم في الدين فكانوا مسلمين . ( ماكان ابراهيم يهودياً ولانصرانياً ولكن كان حنيفا ً مسلماً  ) { آل عمران : 67 } . ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب : يابنيَ إ ن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) { البقرة : 132 } . ( قولوا آمنَا بالله وماأنزل إلينا وما أنزل إلى ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) { البقرة : 136 } . ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله  آمنا به واشهد بأنا مسلمون ) { آل عمران : 52 } . إذ ( إن الدين عند الله الاسلام ) { آل عمران : 19 } مع انه ، سبحانه ، قد شاء أن تتعدد الأمم . ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين ) { هود : 118 } . ثم ألم تر أن الله يقول عن كتاب المسلمين ( أأعجمي وعربي ؟ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ) { فصلت : 44 } . وحدة الكتاب هنا لم تلغ تمايز الناس عجما ً وعرباً وإن التقوا عليه هدى وشفاء . وقال الله تعالى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) { الحجرات : 13 } . فأقر التمايز بين المجتمعات من حيث طور التكوين الاجتماعي .إذ القبيلة هي الوحدة الاجتماعية التي تلتقي ، فتتميز على وحدة النسب العرقي ، حقاً أو وهماً ، ولاتنتسب إلى أرض تخصها من دون الناس ولو كانت مقيمة عليها أما الشعب فجماعة أكثر تطوراً باستقرارها على أرض تخصها من دون الناس تنتسب اليها وتتوه فيها الانساب العرقية فلا يعتد بها في التمييز . كذلك قيل ان القبائل هم الحجازيون ، أما الشعوب فحيث يتميز الناس بنسبتهم إلى الأرض فيما يلي الحجاز جنوباً من سبأ وحضرموت وما يليهم شمالاً من الروم ، وشرقاً من الفرس . المهم أن القرآن قد أشار إلى التمايز بين القبائل والشعوب والأمم ولكنه لم يجعل لهذا التمايز أثراً نافياً لوحدة العقيدة .

وقد يتعدد الانتماء الديني( العقائدي ) في الأمة الواحدةبدون أن يمس التعدد وحدة الأمة . وفي القرآن عشرات الآيات التي تنظم العلاقة الاجتماعية بين المنتمين الى أديان متعددة في الأمة الواحدة وتوصي برعايتها .

( قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولانشرك به شيئا ولايتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) { آل عمران : 64 } . فلنتأمل . ان الاسلام لايدعوا اهل الكتاب في المجتمع الواحد الى التخلي عن دينهم والانتماء اليه . لايدعوهم اليه بل يدعوهم معه . ليعيشوا معاً على كلمة " سواء " .. ليست كلمة المسلمين وليست كلمة أهل الكتاب ، بل كلمة سواء بينهم جميعاً على ماهو مشترك في الاديان السماوية ( ألا نعبد إلا الله ولانشرك به شيئاً ) . أما فيما بينهم فلا سيطرة ولاهيمنة ولا استعلاء ولا قهر . لا من جانب المسلمين ولا من جانب أهل الكتاب . ( ولايتخذ بعضنا بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) . وأهل الكتاب ، كما هو معروف ، هم النصارى واليهود . إنهم ليسوا مسلمين ، ولكن هذا لايعني انهم ليسوا مواطنين صالحين بل ( من اهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات واولئك من الصالحين ) { آل عمران : 113 ، 114 } . إنهم يحققون بعملهم خلاصة ماجاء للاسلام يأمر به المسلمين ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، واولئك هم المفلحون ) { آل عمران : 104 } .

والقرآن يتحدث عن المسلمين وأهل الكتاب الذين ينتمون إلى أمة واحدة أو شعب واحد . من أجل هذا نظم علاقات التعايش فيما بينهم اجتماعيا مع أنهم مختلفون دينا . إنهم ينتجون معا ويستهلكون معا ويتزاورون ويستضيف بعضهم بعضا ، فقال : ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ) { المائدة : 5 } . وقد تنشأ فيما بينهم أوشاج المودة فيود المسلم لو تزوج من كتابية تكون سترا له ، ويأتمنها على نفسه وماله وتربية أولاده ، فأحل الزواج بها ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) . وأمر بحفظ أعراضهن الى حد ان قرن بين الزنا بالكتابية وتعبير الكفر حتى لو كانت راضية فأتم الآية بقوله ( محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ، ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ) { المائدة : 5 } . وفي هذه الحياة الاجتماعية المشتركة ، مع اختلاف الدين ، لايستبعد أن يتحاور المسلمون وأهل الكتاب حول أيهم أصح انتماء الى عقيدته وأية عقيدة هي الحق ، فحرص القرآن على ألا يسمح المسلم لهذا الحوار بأن يصلإلى حد المساس بوحدة انتمائهم إلى مجتمع واحد . قال فأمر

( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) { العنكبوت : 46 } . فإن أوفى المسلم بما أمر وأحال بعض أهل الكتاب الحوار إلى خصومة أو عداوة فإن القرآن يوصي المسلمين بألا يحيلوا العداوة إلى شقاق وتمزق ، مقَراً بأن العداوة بين الناس في المجتمع الواحد لاتقطع علاقة الانتماء المشتركة إلى هذا المجتمع . بل إن القرآن يذهب إلى حد تنبيه المسلمين إلى أن قد تنتهي العداوة إلى مودة كما نبههم في آية أخرى إلى أن قد يكون القتال الذي يكرهونه خير كثير . كذلك العداوة . قال : ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ، والله قدير والله غفور رحيم ) { الممتحنة : 7 } .

لم يأذن الله للمسلمين بقتال غير المسلمين ممن ينتمون معهم إلى مجتمع واحد إلا في حالتين : الأولى ، محاولة غير المسلمين إكراه المسلمين بالقتال على الردة عن دينهم ، والثانية ، قيام غير المسلمين بإخراج المسلمين من ديارهم . قال تعالى : ( لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم ، إن الله يحب القسطين . إنَما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراج

المزيد


العرب و الصهاينة .. دروس التجربة الصليبية

يناير 21st, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , ثقافة المقاومة, عروبة و إسلام

العرب..و الصهاينة

دروس التجربة الصليبية

عبد العال الباقوري*

 

بعد حوالي سبعة قرون على انتهائها، في أواخر القرن الثالث (في أوخر القرن الحادي عشر)، لاتزال"الحروب الصليبية"، فكرة وأحداثاً، تلقى إلى اليوم بتأثيراتها على الفكر العربي، الإسلامي من ناحية، ومن ناحية أخرى على جناح أو آخر من الفكر الأوربي متفرعاً عنه وتابعاً له "الفكر الصهيوني". واليوم، لا يكاد يتذكر عربي أو مسلم"الحروب الصليبية" إلا وطافت بذهنه"الغزوة الصهيونية"، والعكس صحيح.

عشر الميلادي، وتسعة قرون على إعلانها وبدئها

 

و"الحروب الصليبية" تجربة تاريخية، لها، ككل تجربة تاريخية، دروسها المستفادة، والمفيدة. ومن المؤكد أننا لا نبحث عن شفاء أمراضنا الحالية في أحداث ما ضينا. للماضي منطقه، وللحاضر منطقه. ولكن أوجهاً من وجوه التشابه بين الأحداث واردة. وعند هذا الحد يجب التوقف بإمعان لاستخلاص الدروس: لماذا حدث ما حدث؟ وكيف حدث؟ وهل، أو حتى، كيف"يمكن" أن يحدث ثانية (أو حتى  يتكرر ؟) في ظروف مغايرة، وأجواء مختلفة.

 

إن أحداَ من العرب لا ينتظر صلاح الدين ولا عودة عماد الدين زنكي أو بيبرس أو قلاوون، إن هؤلاء لا يعدوننا بمستقبل أفضل، إلا إذا خلقنا الظروف التي تلد أمثالهم اليوم، بكل ما في كلمة "اليوم" من تبعات[1].

 

وفي الوقت نفسه فإن"التجربة الصليبية" هاجس وشبح يؤرِّق الصهاينة، ويكاد يقض مضاجع بعضهم، سياسيين وعسكريين ومفكرين، ويدفعهم إلى دراسة هذه التجربة دراسة عميقة مستفيضة، بغرض استنباط الدروس المستفادة، للأخذ بها وتطبيقها، لعل ذلك يكون حائلاً ومانعاً دون أن تلقي الظاهرة الصهيونية المصير نفسه الذي لقته الظاهرة الصليبية.

 

التطابق ليس وارداً بين ظاهرتين تاريخيّتين في سياقين زمنيين مختلفين، وفي إطارين دوليين لا يمكن أن يتشابها، ولكن حديث"الدروس المستفادة" قد يغري بالإغراق في حديث"المشابهة"،  خاصة وأن هناك وجوهاً كثيرة ومفردات عديدة تبدو"متشابهة" بين تجربة أمس وظاهرة اليوم، ولا نزال، نحن العرب، نفتقد وجود دراسة شاملة تلم بأطراف ذلك، وتغوص في أعماق أدق التفصيلات، وعلى الرغم من أننا نتحدث كثيراً عن مصير الصليبيين فإن غالبية كتاباتنا بأن الصهاينة سيلقون نفس المصير تصدر ذلك وكأنه حكم نهائي بات، وتكتفي بالاهتمام بالمشابهة أكثر من اهتمامها بالدروس المستفادة[2].

 

وأوجه التشابه بين التجربتين شديدة الإغراء لمن يريد أن يطرقها، وهي ليست مدار بحثنا هنا، حيث تكفي نظرة طائر يحلق، يرى الأحداث في مجراها ومسارها، لا يعددها ولا يفصِّلها، ولكن يضعها في الاعتبار، ويختزنها خلفية لاستخلاص الدرس، دون أن يتردد في طرح التساؤل عن إمكانية "التكرار" في ظل ظروف متغيرة، وأحوال مغايرة، وأجواء متقلَّبة، وقيادات مختلفة، فما يحدث اليوم لا يمكن أن"يكرَّر" صورة ما حدث أمس. دون أن نسقط من الاعتبار أن الأرض التي دارت فوقها أحداث أمس هي الأرض نفسها التي تدور فوقها أحداث اليوم. فهل التاريخ هو ظل الأحداث فوق هذه الرقعة الجغرافية، أي فلسطين، بوابة مصر الشرقية، وجنوب الشام، ومن يسيطر عليها يؤِّثر عليهما؟

 

 ظاهرتان ومقارنة

لا يتردد الدكتور قاسم عبده قاسم، وهو واحد من أهم المؤرخين العرب المعاصرين اهتماماً بـ"الحركة الصليبية" في أن يصف هذا المصطلح بأنه"المصطلح المضلل المربك"[3]، ويشرح أسباب ذلك مشيراً إلى أن أحداث هذه الحركة  بدأت في السابع والعشرين من شهر نوفمبر 1095م بالخطبة التي ألقاها البابا "أربان الثاني" في كليرمون في جنوب فرنسا[4]، داعياً إلى شن حملة تحت راية الصليب ضد المسلمين في فلسطين. ودارت رحى أحداث امتدت أكثر من قرنين.

 

وإذا كان الذين انخرطوا في هذه الحروب قد خاطوا على ستراتهم صلباناً من قماش، إلا أن حركتهم لم تحمل صفة "الصليبية" إلا في أوائل القرن الثالث عشر، واستخدمت بدلاً من ذلك مصطلحات أخرى مثل "رحلة الحج" و"الرحلة إلى الأرض المقدسة" و"الحرب المقدسة"[5] وبالمثل، لم يستخدم المؤرخون العرب الكبار المعاصرون لهذه الحروب مصطلحات مثل "الصليبيين" أو "الحملة الصليبية" أو "الحرب الصليبية" بل استخدموا تعبيرات مثل "حركة الفرنج"[6].

 

وقد أخذت هذه الحروب شكل "حملات" تعددت فوصلت إلى سبع أو ثماني حملات، بدأت أولاها في 1096، وخرجت الأخيرة منها من أوروبا في 1250. وقد نجحت"الحركة الصليبية" في إقامة"مملكة بيت المقدس" وعدد من الإمارات الصليبية الأخرى. لم يكن مسرحها فلسطين وحدها أو المشرق العربي ـ الإسلامي فقط، إنما كان حوض المتوسط بأكمله، بجزره وشواطئه العربية والإسلامية"[7].

 

ولم يقف بعض قادة هذه الحملات عند هذه الحدود، بل مدّوا أبصارهم إلى ما وراءها، وصولاً إلى المقدسات الإسلامية في الحجاز، ويرى أغلب المؤرخين أن هذه الحروب قد انتهت بتحرير عكا واستعادتها في 1291، بينما يرى آخرون أنها امتدت إلى القرن 15، ويعتبر فريق ثالث من المؤرخين العرب أن هذه الحروب لا تزال مستمرة إلى اليوم[8] ويعتبر الحرب في أفغانستان والعراق "حرباً صليبية".[9]. وقد أصبح تعبير "حرب صليبية" متداولاً ويُضرب مثلاً كدلالة على أية حرب "ضروس" أو طويلة الأمد، ودون أن يعني أنها حرب مقدسة، بل يكاد العكس يكون صحيحاً[10].

 

أما"الحركة الصهيونية فتعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، وهي ترتبط بكلمة "صهيون" وهو جبل يقع في شرق القدس، وهي،  باختصار شديد، تعني إقامة "مجتمع يهودي محض" في فلسطين[11] أو في حدود الأرض الموعودة، التي يزعم اليهود أنه يحق لهم أن يعودوا إليها. ويعتبر كثيرون المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا، وقيام "المنظمة الصهيونية العالمية" بداية لوجود "الصهيونية السياسية" بينما يرون أن "الصهيونية الدينية" أقدم من ذلك بكثير. وعلى الرغم من أن فلسطين لم تكن منذ بدء الحركة الصهيونية هي الهدف لإقامة "الدولة اليهودية" إلا أن الأنظار والأفكار والأعمال الصهيونية تركزت عليها منذ العقد الأول من القرن العشرين، وتأكد ذلك بشكل خاص منذ صدور وعد "بلفور" وز

المزيد


السنة و الشيعة جسد واحد و احذروا الفتنة الكبرى

يناير 21st, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , عروبة و إسلام


  السنة والشيعة جسد واحد واحذروا الفتنة الكبرى

د. محمد سليم العوا

ما الفرق بين السنة والشيعة؟ ما هي أبرز أوجه الاتفاق وما هي الاختلافات؟ هل نصرة الشيعة حلال أم حرام، وما هي الفتنة الكبرى التي تهدد أمتنا الإسلامية؟ أسئلة هامة وخطيرة أجاب عليها الدكتور سليم العوا -الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- في حوار مفتوح عقده بنقابة الصحفيين المصرية، وحضره نخبة من العلماء والإعلاميين وأداره المفكر الإسلامي أبو العلا ماضي.

في البداية، أكد الدكتور محمد سليم العوا أن أكثر أهل السنة لا يعرفون عن الشيعة سوى أنهم طائفة تغالي في التشيع مع أن الشيعة يعرفون عن السنة الكثير، وهو ما أكده المفكر الدكتور أحمد كمال أبو المجد بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، ولا يزال هذا هو الواقع الذي نعيشه حتى الآن.. وللأسف الشديد تشيع معرفة مغلوطة بين السنة والشيعة وهذا يقتضي التعرض للموضوع بنوع من البصيرة وبعين الإنصاف والعدل دون تزييف أو مزايدة.

ويضيف الدكتور سليم العوا أنه عندما ننسب للناس أقوالا أو نحاسبهم على آراء فيجب أن نحاسبهم على ما قالوه فقط دون التطرق إلى النتائج المترتبة على أقواله؛ لأن القاعدة المسلمة أن "ناسب المنهج ليس بمنهج"؛ أي إنني لست المسئول إذا قلت كلاما أن يفهمه الناس بأسلوب وشكل خاص بهم.

كيف افترقنا؟

ويؤكد الدكتور العوا أن أول شيء يواجهنا ونحن نتحدث عن السنة والشيعة هو الإجابة على سؤال كيف افترقنا؟ هذه أمة واحدة، مأمورة بالاعتصام بحبل الله؛ فالإسلام منذ عهد رسول الله والمسلمون أمة واحدة لا يفرقهم رأي، كانوا جماعة تعرف كلمتها، وكانوا كما أراد بهم ربهم إلى أن انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى، فكان أول خلاف في أمة محمد الخلاف في الإمامة؛ أي من يتولى إمامة المسلمين بعد رسول الله، ثم كانت الفتنة والنزاع بين معاوية وعلي بن أبي طالب، واختلف الفريقان وتولد أول نزاع مسلح في الإسلام بين ثلاث من الصحابة الأجلاء، وتفرق المسلمون إلى ثلاث فرق هي:

الفئة الأولى: الخوارج، وهي فئة خرجت عن الجماعة وقررت قتل الصحابة الثلاثة، ونجحوا في قتل علي رضي الله عنه، وفشلوا مع الآخرَيْن لحكمة يعلمها الله.

الفئة الثانية: فئة ساندت عليا وسموا بالشيعة، وتفرقوا إلى فرق كثيرة، أبرزها الشيعة الإمامية الاثني عشر والجعفرية.

الفئة الثالثة: ساندت معاوية في البداية إلى أن جاء عام 40 هجرية، فتنازل الحسن لمعاوية عن الخلافة، وسمي بعام الجماعة، وسميت هذه الفرقة بأهل السنة والجماعة، وهذه الفرقة تختلف عن فرق الشيعة وتختلف عن الخوارج في مسائل عقائدية ومذهبية.

وفي هذا الإطار نؤكد أن الشيعة مذهب فقهي، وهم فرقة من فرق المسلمين ونشدد على كلمة المسلمين؛ لأن علماء المسلمين أكدوا في كل كتبهم أن الشيعة مسلمون، ولا يوجد كتاب يخرج الشيعة من فرق الإسلام.

وفي هذا يلفت الدكتور العوا النظر إلى خطأ تعبيري شائع عندما نتحدث عن التقارب بين المذاهب والأديان، والصحيح أن نقول التقارب بين أهل المذاهب والأديان؛ لأن كل صاحب مذهب يعتقد أن مذهبه هو الصحيح، وليس عيبا أن يكون هناك اختلاف، فلو أراد الله لجعلهم أمة واحدة. والاختلاف هو سر الابتلاء وهو إرادة إلهية.

المزيد


أمــــــة الإســــــلام

يناير 21st, 2007 كتبها يمنى و دارين نشر في , عروبة و إسلام

أمـــة الاســـلام

         د. عصمت سيف الدولة

 

22 - الاسلام ، إذن ، ليس مجرد دين . انه على اليقين ليس دين أية أسرة أو أية عشيرة أو أية قبيلة أو أي شعب أو أية أمة . إنه دين الناس كافة فهو ليس دين أية جماعة من الناس خاصة ، ولو كانوا جماعة من المسلمين . هذه السمة الخاصة بالاسلام هي التى أنشأت مابين الاسلام خاصة والأمة العربية خاصة علاقة خاصة لامثيل لها - فيما نعرف من تاريخ الأمم والأديان - بين أي دين وأية أمة . وإنا لنأخذ من هذه العلاقة الخاصة مايوفر لنا الحق في أن نقول ان الأمة العربية ، دون الأمم جميعاً ، هي " أمة الاسلام " . لانعني بهذا التعبير أن الاسلام دين الأمة العربية خاصة ، بل نعني به أن الأمة العربية هي الأمة التي أوجدها الاسلام ولم تكن موجودة من قبله ، وإنها تتميز بهذا عن بقية الأمم ولو كانت أمماً مسلمة .

كيف ؟

نذكر قبل الجواب بأننا نستعمل كلمة " أمة " فيما يلي من حديث بمعناها القومي الحديث للدلالة على " مجتمع

ذي حضارة متميزة ، من شعب معين مستقر على أرض خاصة ومشتركة ، تكوَن نتيجة تطور تاريخي مشترك " . فالأمة كما نعنيها طور من التكوين الاجتماعي أرقى من الطور القبلي والطور الشعوبي كليهما . قد نرى فيما بعد كيف كان ذلك ولكن يكفينا الآن الا يفهم أحد غير مانعنيه .

23 - خلال احقاب طويلة من الهجرة والصراع سابقة على ظهور الاسلام كانت قد استقرت مجتمعات قبلية متجاورة في رقعة من الأرض التي يحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط وجبال طوروس ، ومن الشرق إيران والخليج العربي ، ومن الجنوب المحيط الهندي ، فهضبة الحبشة ، فالصحراء الأفريقية الكبرى ، ومن الغرب المحيط الأطلسي . كان كل من تلك المجتمعات القبلية متميزاً عن غيره بما ورثه من العهد القبلي ، أي بالأصل الخاص واللغة الخاصة والحياة الاقتصادية الخاصة ، وتراث خاص من الثقافة والعقائد والتقاليد ، والشعور بالانتماء القبلي . وحينما استقر كل منها في مكانه أصبح " شعباً " ودخل كل منها - منفرداً - مرحلة التكوين القومي . التفاعل الحر بين الشعب والأرض المعينة لفترة تاريخية تنشىء من التفاعل حضارة قومية فتكتمل الأمة وجوداً . ولو طال الاستقرار بتلك الجماعات الشعوبية لتطورت أمماً متميزة . غير أن الاستقرار لم يطل بأية جماعة منها حتى تكون أمة . ولم يطل بها جميعاً حتى تتكون أمماً متجاورة . فقد اجتاحتها موجات متعاقبة كاسحة من الغزو الخارجي إما من وسط أفريقيا ، أو من أوروبا ، أو من آسيا . كما أن موجات الهجرة الداخلية ، السلمية والمقاتلة ، لم تنقطع عابرة بها ومستقرة فيها . وكانت فترات الغزو تعطل نموها وتعوق تكوينها القومي بما تعيد من تكوينها البشري : إضافة من الغزاة أو نقصاً بالابادة أو الطرد ، وبما تسببه من انقطاع في اختصاص كل شعب بأرض معينة اضافة بضم أرض جديدة أو نقصاً بالطرد من الأرض ، وبما أدى إليه كل هذا من عدم توفر التفاعل الحر بين الشعب والأرض مرحلة تاريخية كافية لتنأ وتكتمل حضارة قومية . فما أن ينحسر الغزاة أو يستقروا لينشط التكوين القومي حتى تدهمها - كلها أو بعضها - موجة غازية أخرى . وأستمر هذا الوضع : فترات متتابعة من الاستقرار فالاضطراب فالغزو فالاحتلال فالاستقرار ….الخ ، تحبس نمو تلك الشعوب والجماعات دون اكتمال الوجود القومي ، حتى ظهر الاسلام .

24 - وعنما ظهر الاسلام لم تكن أية جماعة من تلك الجماعات قد تكونت أمة . ولكنها كانت قد غادرت مرحلتي التكوين الأسري والعشائري . ثم لم تتسق تطوراً . كان أغلبها قد أصبح شعوباً متجاوزة الطور القبلي ولكن كان من بينها من لايزال في الطور القبلي لم يرق إلى مابعده . فهي ، جملة ، كانت إما شعوباً وإما قبائل . ولقد جاء في القرآن مايشير إلى هذه القسمة الثنائية للمجتمعات في الجزيرة العربية بين طورين اثنين من أطوار التكوين الاجتماعي : القبيلة والشعب . ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) { الحجرات : 13 } .

أما الذين كانوا ، عند ظهور الاسلام ، فقد تجاوزوا الطور القبلي واستقروا شعوباً فقد كان منهم الحميريون في جنوب الجزيرة العربية . كان منهم من يعتنقون الديانة اليهودية ، وكان من بينهم كثير من المسيحيين فلَما أن اسرف ملكهم ذو نواس في اضطهاد المسيحيين استفاث أولئك باقربائهم من الحميريين الذين كانوا قد عبروا البحر الاحمر إلى الحبشة وحولوها إلى مملكة مسيحية . فاستجاب الاحباش إلى دعوتهم واغاثوهم وهزموا ملوك الحميريين ( عام 552 م) واجلسوا على العرش أسرة حبشية متحالفة مع جستنيان ، الامبراطور الروماني. فرد الفرس بأن تحالفوا مع ملوك جمير المعزولين ، وطردوا الاحباش ، وأقاموا في اليمن حكماً فارسياً ( 575 م ) . فاستقر الناس " شعباً " وظلوا هكذا لم يتطوروا إلى أمة بفعل خضوعهم للسيطرة الفارسية ، إلى أن ظهر الاسلام .

وفي شمال الجزيرة العربية كانت القبائل العربية من بني غسان قد استقرت في الجزء الشمالي الغربي وما يحيط بتدمر في سورية ، منذ القرن الثالث الميلادي ، وأقاموا حكماً تحت سيادة الولة البيزنطية ، فتحولوا بالاستقرار على أرض معينة إلى " شعب " ، وظلوا هكذا لم يتطوروا إلى أمة بفعل خضوعهم للسيطرة البيزنطية ، إلى أن ظهر الاسلام .

أما في الجزء الشمالي الشرقي ، فإن القبائل العربية من بني لخم كانوا قد استقروا على الأرض الخصبة فيما كان يعرف باسم " العراق العربي " ؛ وأقاموا حكماً في " الحيرة " على نهر الفرات ، تحت السيطرة الفارسية ، فتحولوا بالاستقرار على الأرض إلى "  شعب " ، وظلوا هكذا لم يتطوروا إلى أمة بفعل سيطرة الامبراطورية الفارسية ، إلى أن ظهر الاسلام .

وكان الناس فيما بقي من سورية وفلسطين ثم مصر ،  وغرباً حتى شاطىء المحيط الاطلسي ، مستقرين شعوباً متجاورة على الأرض ، وعبيداً ( بمعنى الكلمة ) للرومان منذ قرون عديدة . ولقد بلغت عبوديتهم التي كرسها القانون الروماني أن كان للسادة الرومان في تلك الاقطار مدن خاصة بهم محرَمة على غيرهم من السكان ، تأكيداً لعزلة السادة عن العبيد . منها مدينة " أنتيموبوليس " التي بناها في مصر الامبراطور الروماني هادريان الذي حكم عام 130 م . فاستقرت تلك الجماعات شعوباً ، ولكن أياً منها لم يتطور إلى أمة بحكم سيطرة الامبراطورية الرومانية ، إلى أن ظهر الاسلام .

أما ماتبقَى مما نعرفه الآن بالوطن العربي فكان عامراً بمجتمعات قبلية لم ترق بعد حتى إلى مستوى الشعوب ولم يكن تجمَع بعض القبائل حول الواحات الكبيرة أو الصغيرة أو عند ملتقى طرق القوافل التجارية أو في المناطق الجبلية الوعرة سواء في الجزيرة العربية أو في شمال العراق مما كان يعرف باسم " ميزو بوتاما " أو في مشارف صحراء أفريقيا الكبرى ذا أثر في تكوينها القبليَ . فقد كانوا يتجاورون إقامة أكثر دواما من القبائل الجائلة ، ولكن كقبائل متميزة ، كما كان الأمر في يثرب . ويتلاقون تجارة ، ولكن كقبائل متميزة ، كما كان الأمر في مكة . وكانوا في كل مرة لايكفون عن الحروب القبلية ، أو لايكادون يكفون ، إلى درجة أنهم - من أجل إتاحة فرصة لاتمام الصفقات التجارية بدون قتال - تواصوا بتحريم القتال في مناطق التبادل التجاري في أشهر معدودة من السنة ، ماأن تنتهي حتى يعودوا جميعاً ، بعد تلك الهدنة الاستثنائية ، الى القاعدة القبلية : التضامن بين أفراد القبيلة ظالمين أو مظلومين والعداء للقبائل الأخرى بسبب أو بدون سبب .

25 -من بين تلك القبائل العربية كانت قريش قبيلة في مكة . حملت اسم جدها " فهر " الذي كان تاجراً فلقب بقريش ، أي التاجر باللغة التي كانت سائدة في القرن الثالث الميلادي . ومن بني فهر كان قصيَ الذي توفي عام 480 م . ومن بني قصيَ كان هاشم الذي توفي عام 510 م . من بني هاشم اولئك كان محمد ابن عبد الله الذي اختاره الله ليبلغ رسالة الاسلام الى الناس جميعا 0 عام 610 م ) . ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) { الأنعام : 124 } .

26 - بعد مرحلة تكوين واعداد ومعاناة لنشر الدعوة في مكة بدأ انتشار الاسلام من المدينة يحمله المسلمون إلى الكافة . ومن المدينة بدأت مسيرة الثورة " الحضارية الاسلامية " . إن في هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة ( 24 ايلول / سبتمبر 622م ) من شجاعة اتخاذ القرار وحكمة التدبير ومهارة الأداء ما افاض في بيانه أغلب الذين تحدثوا عن الهجرة . وفي هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة من عمق الايمان وثراء التضحية ومغالبة النفس ماحفظ للمهاجرين ، على مدى التاريخ ، مااستحقوه من فضل القدوة . ولايزال المؤرخون ذاكريه . ثم أن الهجرة قد حققت للمؤمنين خلاص أنفسهم من اضطهاد قريش فأتاحت لهم الأمن على الدعوة وعلى أنفسهم . كل هذا متاح لمن يريد معرفة المزيد في كتب السيرة والتاريخ . ننتبه نحن إلى مايتصل منه بموضوع هذا الحديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام : التأثير الحضاري للاسلام في تطور التكوين الاجتماعي .

27 - يعلم كل المسلمين المحيطين بالسيرة النبوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد آخى في المدينة بين المهاجرين والأنصار ( عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع الأنصاري ) وغيرهما . وبين المهاجرين بعضهم مع بعض ( بينه عليه السلام وبين عليَ ، وبين أبي بكر وعمر ، وبين طلحة والزبير ، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان ) وأن المؤاخاة كانت سبباً مشروعاً للمشاركة في المال والأرض وأسباب الحياة وحفظها . ولقد فعل الرسول ماهو اكثر من هذا أثراً في الوثيقة المسمَاة " الصحيفة " . سنورد نصها كاملاً فيما يلي ، ولكنَا ننبَه منذ الآن إلى أنها وثيقة تستحق كل الانتباه ، لأننا سنعود اليها في أكثر من موضع آت من هذا الحديث . ثم إنها - عندنا - شهادة ميلاد الأمة العربية .

 

           أول دسـتور  

28 - تقول الصحيفة : " بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ( اسم المدينة في الجاهلية ) ومن تبعهم ، فلحق بهم ، فجاهد معهم ، انهم أمة واحدة من دون الناس . المهاجرون من قريش على ربعتهم ( أمرهم ) يتعاقلون بينهم ( يشتركون في المسؤولية ) وهم يفدون عانيهم ( أسيرهم ) بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو عوف على ربعتهم ، يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ( وذكر مثل هذا بالنسبة إلى بني ساعدة ، وبني جشم ، وبني النجار ، وبني عمرو بن عوف ، وبني النبيت ، وبني الأوس ) ثم قال

 "وإن المؤمنين لايتركون مفرجاً ( مثقلاً بالدين ) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل . ولايحالف مؤمن مولى مؤمن دونه ( من أسلم على يديه ) ، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظلم ( طلب بدون حق ) ، أو أثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين . وإن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم . ولا يقتل مؤمن في كافر ، ولاينصر كافر على مؤمن ، وأن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس . وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم . وأن سلم المؤمنين واحدة ، لايسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله ، إلا على سواء وعدل بينهم . وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً ، وان المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله ( يعني أن دماءهم متكافئة ويثأر بعضهم لبعض ) . وان المتقين على أحسن هدى وأقومه ، وأنه لايجير مشرك مالاً لقريش ، ولانفساً ، ولايحول دونه على مؤمن . وانه من اعتبط ( قتل بدون ذنب ) مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود به ، إلا أن يرضى ولي المقتول وان المؤمنين عليه كافة ، ولايحل لهم إلا قيام عليه ، وأنه لايحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الآخر ، أن ينصر محدثاً ولايؤويه ، وانه من نصره أو آواه ، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ، ولايؤخذ منه صرف ( توبة ) ولاعدل ( فدية ) ، وانكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مردَه إلى الله وإلى محمد " .

29 - " وأناليهود يتفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين . وان يهود بني عوف أمة مع المؤمنين . لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم فإنه لايوتغ ( يهلك ) إلا نفسه وأهل بيته . وان ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف ( وذكر مثل هذا بالنسبة الى يهود بني الحارث ، وبني ساعدة ، وبني جشم ، وبني الأوس ، وبني ثعلبة ، وبني جفنة ) وان جفنة بطن من ثعلبة . وان بطانة يهود كأنفسهم ، وان البر دون الاثم ، وان موالي ثعلبة كأنفسهم ، وأنه لايخرج منهم أحد إلا بإذن محمد . وأنه لاينحجز على ثأر جرح ، وأنه من فتك فبنفسه ، إلا من ظلم ، وان الله على أبر هذا ( شاهد على صدقه ) .

30 - وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ، وأن بينهم النصر على من حارب اهل هذه الصحيفة ، وان بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الاثم . وانه لن يأثم امرؤ بحليفه ، وان النصر للمظلوم … وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة . وان الجار كالنفس غير مضاَر ولا آثم وانه لاتجار حرمة إلا بإذن أهلها . وأنه ماكان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردَه إلى الله عز وجلَ ، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وان الله على اتقى مافي هذه الصحيفة وأبَره ، وانه لاتجار قريش ولامن نصرها ، وان بينهم النصر

المزيد


التالي