
احاديث الاخطاء " النقد الذاتي في خطاب الرئيس جمال عبد الناصر "
ساطع الحصري
قام الرئيس جمال عبد الناصر بنقد ذاتي دقيق وشامل، وأعلن نتائجه إلى الرأي العام العربي، بصراحة وشجاعة، بالخطاب التاريخي الذي ألقاه في اليوم السادس عشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1961، أي بعد مرور نحو شهر ونصف شهرعلى يوم نكبة الانفصال الفجيعة.
يبدأ الخطاب بإلفات الأنظار إلى خطورة الموقف قائلاً :
لقد دقت الساعة التي يتحتم فيها على كل مواطن أن ينتبه إلى نفسه،
دقت الساعة التي يتحتم فيها على كل مواطن أن ينتبه إلى وطنه،
دقت الساعة التي يتحتم فيها على كل مواطن أن ينتبه إلى ما يجري حوله على امتداد الأرض العربية كلها…
فنحن الآن، ايها المواطنون، على نقطة من نقط التاريخ الحاسمة في مصير الأمم. نقطة يمكن منها أن يتحدد المصير ويتشكل الغد، بإرادة الله التي تلهم إرادة أمتنا وتوجه خطاها..
نحن أمام نقطة من نقط التاريخ الحاسمة.
وبعد استعراض الموقف السياسي بشيء من التفصيل ينتقل إلى النقد، فيقول مايلي :
أيها المواطنون،
من أول واجباتي في هذه اللحظة أن أدرس معكم وتدرسوا معي الدروس المستفادة من انقضاض الرجعية في سورية، مرة أخرى . فليس هدفي من هذه الدراسة أن أؤثر على مجرى الحوادث في سورية ذاتها، وإنما هدفي الأول والأخير أن تكون الفائدة للنضال العربي كله ولمعركته الاجتماعية الشاملة من أجل حق الانسان العربي في حياته وفي كرامته. وأشعر الآن انه لا بد لي من أن أواجه معكم بشجاعة وشرف أخطاءنا التي يسرت للرجعية انقضاضها وحصولها على رأس الجسر الذي حصلت عليه في دمشق.
أولاً:
لقد وقعنا ضحية وهم خطير، قادتنا إليه ثقة متزايدة بالنفس وبالغير.
فقد كنا دائما نرفض المصالحة مع الاستعمار. ولكننا وقعنا في خطأ المصالحة مع الرجعية. لقد تصورنا انه مهما كان من خلاف بيننا وبين العناصر الرجعية، فانهم أبناء نفس الوطن وشركاء نفس المصير. ولكن التجربة اثبتت لنا خطأ ما كنا نتوهمه.
اثبتت التجربة أن الرجعية وهي من ركائز الاستعمار لا تتورع عن الارتكازعليه بدورها لقلب النضال الشعبي.
أثبتت التجربة أن الرجعية على استعداد للتحالف مع الاستعمار ذاته، لتستعيد مراكزها الممتازة التي تتمكن بها من مباشرة استغلالها، حتى وان أدى ذلك إلى أن تمكن له من التحكم في مقدرات الشعوب التي تنتمي إليها.
ولقد غير الاستعمار طريقة تسلله إلى أرضنا، في حين أننا لم نغير طريقة مواجهتنا له. كنا لا نزال نقاوم احلافه العسكرية وقواعده، بينما كان هو يتوارى وراء الرجعية وفي قصورها العالية والمشيدة من استغلال الجماهير. وبذلك كانت ضرباتنا ضده تطيش أخيراً في الهواء، ولا تصيبه، لأنها كانت موجهة إلى المكان الذي لم يكن موجوداً فيه.
كنا نوجه ضرباتنا إليه في الاحلاف والقواعد وكان هو غيّر مكانه وتوارى في القصور وفي خزائن أصحاب الملايين.
ولا بد لنا الآن لسلامة النضال الشعبي أن نخلص أنفسنا من هذا الوهم الخطير الذي تركنا أنفسنا له. لا بد لنا من أن نقاتل الاستعمار في قصور الرجعية وأن نقاتل الرجعية في أحضان الاستعمار.
ويتصل بهذا الوهم، وهم تصور امكان المصالحة مع الرجعية على أسس وطنية، ذلك اننا في الوقت الذي أعلنا فيه ايماننا بامكانية إزالة متناقضات الطبقيه سلمياً داخل إطار من الوحدة الوطنية كانت الرجعية تمشي في طريق آخر معاكس.
لم تكن القوى الرجعية بمثل طبيعة الجماهير وسماحتها ونبلها. ولقد رأينا في سورية كيف تكتلت الرأسمالية والاقطاع والانتهازية مع الاستعمار للقضاء على مكاسب الجماهير ولضرب الثورة الاشتراكية ولاسترداد جميع امتيازاتها، ولو بالقوة المسلحة، ولو بإراقة الدماء. كنا نأخذ الارض من الاقطاعيين سلمياً، ونعوضهم عنها لنعطيها للفلاحين. وفي سورية الآن يقتل بالرصاص أي فلاح يتردد لحظة في التسليم بحقه المشروع في أرض لكبار الاقطاعيين.
أردناها بيضاء من أجل العدل ولم يتورعوا من أن يجعلوها حمراء ملطخة بالدم، استمراراً للظلم والاقطاعية.
كنا نحلم بان تكون الثورة تنبض بقلب رحيم، ولكن الرجعية لم تتخل عن طبيعتها العدوانية ولم تتردد في اتباع أي وسيلة إلى غاياتها المستغلة الشرسة حتى وسيلة القتل. بل استغلت الرجعية كل طيبة الجماهير وسماحتها ونبلها، في الوقت الذي بقيت لها فيه الأموال الطائلة، في هذا الوقت كله لم تشعر الرجعية بذرة من العرفان تجاه هذه الحرية التي تركت لها من غير استحقاق. وإنما العكس كان موقفها. فلقد استعملت هذه الحرية لتضرب الشعب ولتخرب ولتدمر ولتنقلب على اهدافه وخططه وأحلامه وتشعل فيها النار جميعاً لا تهتم ولا تبالي.
ثانياً :
لقد وقعنا في خطأ كبير لا يقل أثراً عن الوهم الخطير الذي نسينا أنفسنا فيه،هذا الخطأ هو عدم كفاية التنظيم الشعبي. لقد كانت وسيلتنا إلى التنظيم الشعبي هي تكوين الاتحاد القومي ليكون إطاراً من حول صراع الطبقات، وكان خطأنا اننا فتحنا الطريق إلى الاتحاد القومي أمام















